بقلم: طارق نعمو
في سابقة تاريخية، تُطوى خلال أيام واحدة من أشد حلقات العقاب الاقتصادي في العصر الحديث: قانون قيصر الذي فُرض عام 2020 على نظام المجرم بشار الأسد، وجعل من سوريا أكثر دولة فُرِضت عليها عقوبات في تاريخ الولايات المتحدة.
من قيصر إلى يوم التحرير
بدأت رحلة التحرر من قيصر فعلياً في 8 كانون الأول، لحظة الانتقال من “سوريا الأسدية المعاقَبة” إلى “سوريا الجديدة قيد التحرير”.
منذ ذلك اليوم، انطلقت هندسة معقدة من الضغوط الدبلوماسية شاركت فيها عواصم الإقليم: الدوحة، الرياض، أنقرة، بالتنسيق مع واشنطن، لفتح الباب أمام مسار جديد لسوريا.
في قلب هذه المعادلة برزت سياسة أحمد الشرع؛ سياسة هادئة لكنها حاسمة، نسجت تناغماً نادراً مع أولويات واشنطن، وخلقت توازن قوى رهيباً بين مصالح الإقليم ومتطلبات الأمن الأميركي، من دون التفريط بسيادة سوريا أو مستقبل شعبها.
إسقاط الطائفية وكسر الأطماع
لم يكن الطريق معبّداً.
في الداخل، حاولت بعض الفئات اللعب على وتر الطائفية لتمزيق الشارع السوري، وإسقاط “النظام الحديدي الجديد” عبر إعادة إنتاج خطاب الكراهية والانقسام.
وفي الإقليم، ظلّت الأطماع الإسرائيلية حاضرة في خلفية المشهد، تسعى لاقتناص ما يمكن من الأرض والقرار السوري تحت غطاء الفوضى والعقوبات.
لكن الشرع نجح، وفق مصادر دبلوماسية، في قلب هذه الموازين:
احتوى النزعات الطائفية وفتح أفق دولة مواطنة لا مزارع طوائف.
وأدار معارك السياسة بحنكة جعلت سوريا تتحول من ملف أمني إلى فرصة استثمار في الاستقرار الإقليمي.
اللحظة الفاصلة: لقاء الشرع وبراين ماست
المنعطف الأكبر في معركة إعدام قيصر كان لقاء الرئيس أحمد الشرع مع النائب براين ماست؛ الرجل الذي عرفته طويلاً بأنه “أكبر عقبة” أمام إلغاء قانون قيصر داخل الكونغرس.
حين كنت حاضراً الاجتماع كان الجو متوتراً في بدايته، قبل أن يقلب الشرع الطاولة بموقف واحد حاسم، عندما قال لماست:
“نحن هنا لا لنغرق في الماضي، بل لنعمل من أجل هدف نبيل لشعبي، ولأمن منطقتكم ومنطقتنا معاً.
في تلك اللحظة، تغيّر شيء عميق في مسار النقاش.
كنت أشاهد كيف التفت ماست بعدها قائلاً لي:
“حان للشعب السوري وللمنطقة أن ينعموا بالسلام، لا أن يظلوا رهائن لصراعات لا تنتهي”.
اليوم، النائب الذي كان حاجزاً صلباً أمام أي محاولة لإسقاط قيصر، يضع توقيعه على الصيغة النهائية لإلغاء القانون.
مبروك لسوريا… بداية لا نهاية
قد لا تُداوى جراح السوريين بقلم توقيع في واشنطن، لكن لا أحد يمكنه إنكار أن إعدام قيصر هو أكبر كسر لسلسلة العقوبات الجماعية على سوريا منذ عقود.
اليوم، يسجّل التاريخ أن:
- قانون قيصر الذي خنق السوريين منذ 2020،
- أُعدم سياسياً وقانونياً بجهد تراكمي إقليمي ودولي،
- وأن الرئيس أحمد الشرع كان في قلب هذه المعركة، يدير توازن القوى، ويكسب أصعب الخصوم، حتى وقّع براين ماست على ما كان يُعتبَر يوماً “المستحيل”.
في يوم التحرير هذا، لا تبقى العبارة إلا كما يرددها السوريون اليوم:
مبارك لسوريا… بداية جديدة لوطن ينهض من تحت ركام العقوبات والحرب.





