لا شك بأن توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق الدفاع المشترك في مكة يأتي في توقيت لا يقل أهمية عن مضمون الاتفاق نفسه، فقد جاء بوقت تمر فيه المنطقة بمرحلة شديدة الاضطراب، تتداخل فيها المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مع اتساع نطاق التهديدات الأمنية، وما يرافق ذلك من مراجعة دول المنطقة لحساباتها الدفاعية وعلاقاتها بالقوى الكبرى.
ولا بد هنا من التذكير بفحوى الاتفاق الذي ينص على أن أي هجوم مسلح خارجي على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، إلى جانب تطوير القدرات الدفاعية المشتركة وتعزيز الردع ورفع مستوى التعاون في التدريب وتبادل الخبرات والصناعات الدفاعية.
في الوقت ذاته، لا يلغي الاتفاق التزامات أو شراكات الدول الثلاث القائمة مع دول ومنظمات أخرى، وهذا التفصيل مهم، لأنه يشير إلى أن الرياض وأنقرة وإسلام آباد لا تعلن القطيعة مع ترتيباتها الأمنية السابقة، بقدر ما تضيف إليها إطاراً إقليمياً جديداً.

ومن هذه الوجهة، يحمل الاتفاق دلالة تتعدى التعاون العسكري المباشر، فالسعودية، التي اعتمدت لعقود بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأميركية، تعمل بالتوازي على تعزيز قدراتها الدفاعية وشراكاتها مع قوى أخرى، بينما شكلت اتفاقية الدفاع السعودية-الباكستانية الموقعة في أيلول الماضي خطوة سابقة في هذا الاتجاه، قبل أن يأتي الإطار الثلاثي ليضيف تركيا إلى المعادلة.
في هذا السياق، تأتي القراءة الأميركية التي نقلتها شبكة “سي إن إن” عن السفير الأميركي السابق كريستوفر هيل الذي اعتبر أن الاتفاق يمثل “أحد أهم التطورات في هذه الحرب”، ورأى أنه يعكس تراجع الثقة بالضمانات الأمنية الأميركية.
وحسب ما نقلته الشبكة عنه، فإن الدول الثلاث “تعتقد أن الولايات المتحدة لن تكون موجودة لدعمها، وأن الوقت قد حان لتعزيز الجهود الإقليمية”، كما قال: إن الاتفاق “يسلط الضوء على مدى قلق بقية العالم” من طريقة إدارة واشنطن لمصالحها وقضاياها، مضيفاً: “ثمة فرق بين أن تكون غير متوقع بتصرفاتك، وبين أن تصبح طرفاً لا يمكن الاعتماد عليه، وأعتقد أننا أصبحنا كذلك”.
قراءة هيل هذه لا تعني، بالضرورة، أن السعودية أو تركيا أو باكستان قررت الاستغناء عن الولايات المتحدة، لأسباب عديدة منها أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي “ناتو”، بينما ترتبط السعودية بواشنطن بعلاقات دفاعية واقتصادية واسعة، وهو ما يشير الى أن الدول الثلاث لديها علاقات تحالفية مع الولايات المتحدة تجعلها شريكاً مهماً للأطراف الثلاثة، وإن بدرجات مختلفة، لكن الاتفاق يوضح أن الاعتماد على طرف واحد لم يعد الخيار الوحيد المطروح أمام هذه الدول.
وفي ظل الحرب مع إيران، تكتسب هذه الرسالة وزناً إضافياً، فوجود اتفاق يعدّ الاعتداء على دولة اعتداءً على الدول الثلاث يرفع تكلفة أي هجوم محتمل، ويمنح الأطراف مساحة أكبر لبناء ترتيبات أمنية نابعة من داخل المنطقة، لذلك يمكن النظر إلى اتفاق مكة باعتباره اختباراً جديداً للدور الأميركي، ليس لأنه ينهي هذا الدور، وإنما لأنه يكشف عن رغبة متزايدة لدى حلفاء واشنطن في امتلاك بدائل أمنية وعدم رهن أمنهم بالكامل بقرار يصدر من خارج المنطقة.
الوطن – أسرة التحرير








