يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب التأكيد أن الولايات المتحدة تحقق مكاسب في الحرب مع إيران، غير أن المؤشرات الصادرة عن وزارة الحرب الأميركية “البنتاعون” والقرارات الأخيرة المتعلقة بالإنتاج العسكري ترسم صورة لا تتفق مع ذلك، إذ توحي بأن استمرار العمليات العسكرية فرض ضغوطاً متزايدة على المخزونات الدفاعية والإنفاق العسكري، وهو ما دفع الإدارة إلى تسريع خطط إعادة بناء القدرات الإنتاجية وطلب تمويل إضافي من الكونغرس.
وفي هذا السياق، كانت وزارة الحرب الأميركية قد أعلنت، قبل أيام عن توقيع اتفاقية مع شركتي “لوكهيد مارتن” و”نورثروب غرومان” لزيادة الطاقة الإنتاجية للمكونات الرئيسة لمنظومتي الدفاع الصاروخي “باتريوت PAC-3″ و”ثاد”.
ووفق الوزارة، فإن من شأن هذه الخطوة أن تؤدي إلى رفع إنتاج صواريخ “باتريوت” إلى ثلاثة أضعاف، وزيادة إنتاج منظومة “ثاد” إلى أربعة أضعاف، في إطار خطة تهدف إلى تعزيز المخزونات الأميركية التي تعرضت لضغوط خلال الحرب في أوكرانيا والعمليات العسكرية في الشرق الأوسط.

إعلان “البنتاغون” جاء بعد أيام من منح الجيش الأميركي شركة “لوكهيد مارتن” عقداً قد تصل قيمته إلى 58.6 مليار دولار لإنتاج صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، في إشارة إلى أن التركيز لا ينصب على تلبية الاحتياجات الحالية فقط، وإنما أيضاً على إعادة تكوين احتياطيات استراتيجية أصبحت أكثر أهمية مع اتساع نطاق الالتزامات العسكرية الأميركية.
بموازاة ذلك، تعكس تصريحات كبار المسؤولين العسكريين حجم الضغوط التي تواجهها وزارة الحرب على الصعيد المالي، فقد أعلن وزير الحرب بيت هيغسيث، مؤخراً، أن تكلفة الحرب على إيران ارتفعت إلى 37.5 مليار دولار حتى الآن، موضحاً أن الرقم يشمل النفقات المنفذة والتكاليف المتوقعة حتى نهاية السنة المالية الحالية، كما طلب من الكونغرس إقرار تمويل إضافي واستكمال مشروع ميزانية دفاع تبلغ 1.5 تريليون دولار لعام 2027.
وحذر هيغسيث من تداعيات عدم توفير هذا التمويل، قائلاً: “أعتقد أن عدم تمويل هذه الوزارة بمبلغ 1.5 تريليون دولار يمثل أكبر تهديد يواجه أمتنا”، كما أشار إلى أن غياب التمويل الإضافي قد يفرض تقليص برامج التدريب العسكري ويزيد الضغوط على أولويات الوزارة الأخرى.
في السياق، أعلن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أن القوات المسلحة “ستظل قادرة على دفع رواتب العسكريين”، لكنه لفت إلى احتمال مواجهة صعوبات في تمويل أعمال الصيانة والاستثمار في القدرات العسكرية المستقبلية، وهو ما يظهر أن التحدي لا يقتصر على العمليات الجارية، بل يمتد إلى الحفاظ على جاهزية القوات على المدى المتوسط.
وتتقاطع هذه المعطيات مع ما كشفته وكالة “رويترز” نقلاً عن ثلاثة مصادر “مطلعة”، إذ قالت: أن الجيش الأميركي استخدم “تقريباً كل” صواريخه الأرضية البعيدة المدى والعالية الدقة خلال الحرب مع إيران، بما في ذلك صواريخ “أتاكمز” وصواريخ “بريزم”.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تضيف بعداً عملياً إلى القرارات الأخيرة الخاصة بتوسيع الإنتاج، إذ تشير إلى أن الحاجة لإعادة ملء المخزونات لم تعد مجرد إجراء احترازي، بل أصبحت جزءاً من متطلبات الحفاظ على الجاهزية العسكرية.
هذه المؤشرات لا تعني أن الولايات المتحدة أصبحت غير قادرة على مواصلة العمليات العسكرية، لكنها توضح أن إدارة حرب ممتدة ومتزامنة مع استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا تحمل تكلفة متزايدة، سواء على مستوى الذخائر أو التمويل أو الطاقة الإنتاجية للصناعات الدفاعية، ومن هنا تبدو قرارات زيادة الإنتاج وطلبات التمويل جزءاً من محاولة التكيف مع واقع فرضته متطلبات العمليات العسكرية المستمرة، أكثر من كونها إجراءات روتينية في إدارة الإنفاق الدفاعي.
الوطن – أسرة التحرير








