تتجه الحرب الروسية – الأوكرانية إلى مزيد من التصعيد في مجال الهجمات بعيدة المدى، مع اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة واستهداف منشآت حيوية في عمق أراضي الطرفين، بالتزامن مع ارتفاع أعداد الطائرات التي تعلن موسكو وكييف اعتراضها أو تدميرها خلال الهجمات الليلية.
وخلال الأيام الأخيرة، ركزت الهجمات الأوكرانية داخل روسيا على منشآت مرتبطة بالطاقة والنقل واللوجستيات، في وقت واصلت فيه القوات الروسية ضرب مواقع ومنشآت داخل الأراضي الأوكرانية، ما جعل البنية التحتية المدنية والاقتصادية جزءاً متزايداً من مسرح العمليات بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة.
وفي أحدث الهجمات، استهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية منشآت نفطية ولوجستية في عدد من المناطق الروسية، بينها مصفاة للنفط في مقاطعة ساراتوف، ومجمع لوجستي تابع لشركة “وايلدبيريز” في منطقة سامارا، كما طالت الهجمات مدينة إنجلز التي تضم قاعدة للقاذفات الاستراتيجية الروسية، إضافة إلى مواقع نفطية في باشكورتوستان وأضرار لحقت بسفينة حاويات روسية خاضعة للعقوبات.
ويأتي استهداف المنشآت اللوجستية في سياق توسع لافت في طبيعة الأهداف داخل روسيا، إذ تعرضت مستودعات ومراكز توزيع تابعة لـ”وايلدبيريز”، إحدى أكبر شركات التجارة الإلكترونية الروسية، لهجمات متكررة خلال الأسابيع الماضية، وتشير هذه الضربات إلى اتساع نطاق العمليات من المنشآت النفطية والعسكرية التقليدية إلى سلاسل الإمداد والتخزين والتوزيع.
وفي المقابل، أعلنت القوات الجوية الأوكرانية إسقاط وتحييد عشرات المسيّرات الروسية خلال هجوم جوي واسع نفذ اليوم، مشيرة إلى اعتراض 109 طائرات من أصل 133 طائرة مسيّرة هجومية أطلقتها روسيا، مع تسجيل إصابات مباشرة في عدد من المواقع وسقوط حطام في مواقع أخرى.
وعلى الجانب الروسي، تحدثت السلطات في مقاطعة روستوف عن هجوم واسع آخر، أعلنت خلاله الدفاعات الجوية تدمير نحو 150 مسيّرة، مع تسجيل أضرار محدودة واندلاع حريق في منشأة للحبوب من دون وقوع إصابات، كما أعلنت السلطات في مقاطعة لينينغراد إسقاط 17 مسيّرة خلال هجوم استهدف المنطقة، مع تسجيل أضرار قرب أحد المستودعات.
ولم تقتصر الخسائر على الأضرار المادية، إذ أوقعت الهجمات المتبادلة خلال الساعات الأخيرة قتلى وجرحى في الجانبين، ففي منطقة موسكو، أسفر هجوم بمسيّرات عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة ستة آخرين بعد اندلاع حرائق في منطقة صناعية بمدينة تشيخوف، فيما أدت ضربات روسية ليلية على منطقة سومي الأوكرانية إلى مقتل طفلين ورجل مسن، حسب السلطات المحلية.
وتكشف طبيعة الأهداف وتوزعها الجغرافي عن تغير تدريجي في شكل الحرب الجوية بين موسكو وكييف، فالمسيّرات باتت تسمح بتنفيذ هجمات على مسافات بعيدة، والوصول إلى منشآت تقع مئات الكيلومترات خلف خطوط القتال، فيما تتحول عمليات الدفاع الجوي واعتراض أسراب المسيّرات إلى عنصر أساسي في حماية المدن والمنشآت الحيوية.
وبذلك، تبدو الجبهة الجوية في الحرب الروسية- الأوكرانية أكثر اتساعاً من خطوط التماس التقليدية، مع تحول المسيّرات إلى أداة رئيسية في الضغط المتبادل واستنزاف الدفاعات الجوية وضرب البنية التحتية، ومع استمرار هذا النمط تتزايد احتمالات أن يصبح العمق الاقتصادي والمدني للطرفين ساحة موازية للمعارك البرية، بما يضيف بعداً جديداً إلى حرب دخلت عامها الخامس وما زالت تبحث عن مسار ينهي التصعيد.
الوطن – أسرة التحرير






