في العلوم التطبيقية تؤدي المدخلات ذاتها الى النتائج والمخرجات ذاتها إذا ما كانت في الظروف ذاتها، فهل يمكن أن يطبق ذلك على الواقع السياسي الوضعي العالمي، وما يشهده اليوم من تسارع للأحداث والصراعات، بمعنى هل تؤدي سنوات من التوترات المتراكمة، وسباق التسلح، والاستقطاب بين القوى الكبرى، والتحالفات الأمنية، إلى جانب سلسلة من الأزمات الإقليمية التي جعلت النظام الدولي أكثر هشاشة، الى حرب عالمية ثالثة قياساً على المدخلات ذاتها؟ ” الأسباب” التي أدت الى نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، ولم تكن حادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند في سراييفو إلا الشرارة التي أشعلت حريقاً كان أكبر بكثير من الحدث الذي تسبب به!
التخوف من تكرار سيناريو نشوب الحرب العالمية الأولى، تحدثت عنه مجلة “نيوزويك” الأميركية في تقرير لها متحدثاً عن مخاطر اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة دولية متعددة الجبهات، محذراً من أن تداخل الأزمات في الشرق الأوسط وأوكرانيا وتايوان قد يقود القوى الكبرى إلى مسار تصعيدي يشبه الظروف التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.
تشابك الملفات الساخنة

يرسم التقرير سيناريو تتشابك فيه خمسة ملفات ساخنة أو مرشحة للتصعيد، هي الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والاضطرابات في اليمن ولبنان، إلى جانب أزمة تايوان، بما قد يضع الولايات المتحدة وروسيا والصين والقوى الأوروبية أمام استحقاقات أمنية متزامنة، ويغير حساباتها الاستراتيجية على أكثر من جبهة.
وفي الشرق الأوسط، يرى التقرير أن استمرار المواجهة قد يبقي مضيق هرمز تحت ضغط متواصل، في ظل تهديدات متكررة لحركة السفن، بالتوازي مع استمرار جماعة الحوثيين في اليمن، المدعومة من إيران، في تهديد الملاحة عبر باب المندب، الأمر الذي يضاعف المخاطر على واحد من أهم مسارات التجارة العالمية.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب العسكري، إذ إن استمرار اضطراب تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر المضيق يمكن أن يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع أقساط التأمين، وزيادة كلفة الشحن، وإجبار الناقلات على اتباع مسارات أطول، بما ينعكس على أسعار الطاقة والتضخم وقطاعات تعتمد على الوقود والمواد الأولية.
ويبرز الحوثيون في هذا المشهد باعتبارهم عاملاً قادراً على توسيع دائرة التوتر، نظراً لموقعهم وقدرتهم على تهديد باب المندب، فيما يشكل لبنان جبهة أخرى مع تصاعد المساعي الرامية إلى الحد من نفوذ إيران الإقليمي ودور “حزب الله”.
أما العراق، فقد يجد نفسه أمام خطر التحول إلى ساحة مواجهة إضافية، إذا تصاعدت هجمات الفصائل المدعومة من إيران ضد القوات والمنشآت الأميركية، ومن شأن ذلك دفع واشنطن إلى تعزيز انتشارها في إقليم كوردستان العراق، بهدف تأمين قواتها وعمليات التحالف الدولي.
ويقول التقرير”في حال اشتدت الضغوط على طهران، قد تعيد روسيا والصين وكوريا الشمالية حساباتها، خصوصاً إذا اعتبرت أن سقوط النظام الإيراني بفعل حملة عسكرية أميركية سيمنح واشنطن موقعاً أكثر قوة في منطقة تضم أحد أهم ممرات الطاقة في العالم”.
الدور الصيني والروسي
ووفق التقرير لا يشترط انخراط الصين في المواجهة إرسال قوات إلى ساحات القتال، إذ يمكن لبكين، وفق السيناريو المطروح، تقديم دعم لإيران عبر معدات إلكترونية وتقنيات ذات استخدامات مدنية وعسكرية، إضافة إلى الطائرات المسيرة والقدرات الصاروخية والمساعدات المالية والمعلومات الاستخباراتية، إلى جانب استخدام نفوذها الدبلوماسي لعرقلة أي مسعى يمنح غطاء دولياً لتوسيع العمليات العسكرية.
وبالنسبة إلى موسكو، قد يتخذ الدعم لإيران شكلاً عسكرياً وتقنياً، من خلال تعزيز قدراتها في الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، في حين يمكن لكوريا الشمالية أن تدخل على خط التعاون عبر إمدادات الذخائر والصواريخ أو أشكال أخرى من الدعم العسكري، مقابل الحصول على مساعدات اقتصادية وتقنيات متقدمة.
يشير التقرير إلى أنه في أوروبا، قد تستغل روسيا تركيز الولايات المتحدة وحلفائها على الشرق الأوسط لتعزيز عملياتها في أوكرانيا، خصوصاً إذا أدى تحويل جزء من منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الدقيقة الأميركية والغربية إلى مناطق أخرى إلى تخفيف الدعم المتاح لكييف.
ويحذر السيناريو من أن موسكو، إذا خلصت إلى أن انشغال الغرب يمثل فرصة مناسبة لتغيير موازين القوى، قد تشن هجوماً واسعاً على الجبهة الأوكرانية، بالتزامن مع زيادة الضغط على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي عبر بيلاروسيا ومنطقة كالينينغراد.
وفي المحيط الهادئ، قد تجد الصين في انشغال واشنطن فرصة لتكثيف الضغوط على تايوان، سواء من خلال حصار بحري أو تحركات عسكرية أكثر مباشرة، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا إلى تعزيز انتشارها العسكري في المنطقة.
الوطن- أسرة التحرير








