أكد الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة أن إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب خطوة ضرورية، لكنها أقرب إلى إشارة سياسية بأن سورية تريد الالتزام بالمعايير الدولية، في ظل العزلة المصرفية والعقوبات، وتمثل هذه الاستراتيجية الأداة التقنية لمحاولة فك الارتباط بين القطاع المالي السوري وسمعته كدولة عالية المخاطر.
ونوه محمد بأن الاستراتيجية تسهم بدرجات متفاوتة بتحسين التصنيف إذ تُصلح القصور الفني في تقارير مجموعة مينافاتف، ما قد يغير التصنيف إلى دولة تسير في طريق الإصلاح، وبعودة البنوك المراسلة وهي ضرورية جداً لإعطاء البنوك الأجنبية مبرراً تقنياً للعودة، لكنها وحدها لا تكفي ما دامت مخاطر العقوبات الأميركية قائمة، إضافة إلى ثقة المستثمرين فهي تعالج ركن الامتثال القانوني فقط، لكنها لا تعالج الخطر الأكبر كانهيار العملة، والتضخم، وغياب الضمانات القضائية لرأس المال.
كما يرى أستاذ التمويل والمصارف أن إطلاق الاستراتيجية ليس كافياً على الإطلاق، فنجاحها مرهون بإصلاحات موجعة، وأولوياتها العاجلة هي إصلاح القطاع المصرفي بتصفية المصارف المتعثرة وتحويل المركزي إلى جهة رقابية مستقلة فعلاً، لا ممولة لعجز الدولة، و. السجل الحقيقي للمستفيدين بإجبار الشركات على كشف مالكيها الحقيقيين، وهذا هو التحدي الأكبر في بيئة الاقتصاد السوري، إضافة إلى استقلالية القضاء عبر بناء نيابة عامة متخصصة وقضاء قادر على إصدار أحكام قابلة للتنفيذ، وإثبات الجدية عبر عدم إفلات أي جهة نافذة من العقاب.
وخلص محمد برأيه الأكاديمي إلى أن هذه الاستراتيجية أشبه ببناء سقف قوي لمنزل أعمدته ما زالت مهتزة، وهي وثيقة ممتازة تمنح المجتمع الدولي مادة تقنية للحوار، لكن الخطر أن تتحول إلى ورقة في الأدراج إذا استمر المصرف المركزي بتمويل العجز، واستمر الاقتصاد يدار بمنطق النفوذ لا الشفافية، فستبقى الاستراتيجية مجرد شهادة حسن نية غير قابلة للصرف في بنوك العالم. تحويلها إلى واقع يتطلب مشروع دولة يُغيّر بنية الاقتصاد السياسي، لا مجرد الامتثال الشكلي.
خطة محسوبة بدقة متناهية
في سياق متصل اعتبر أستاذ المصارف عودة بنك التنمية الألماني (KfW) هي خطوة محسوبة بدقة متناهية، وتعكس تحولاً استراتيجياً في المقاربة الأوروبية، وتحديداً الألمانية، للملف السوري، مضيفا: يمكن تفصيل الدلالات الثلاث الرئيسة كالتالي:
اعتراف واقعي مشروط وتجاوز للجمود السياسي
وأكد محمد أن هذا ليس تطبيعاً، بل هو انخراط نقدي، فألمانيا المنهكة من ملف اللاجئين وصعود اليمين، تنتقل من سياسة العزلة والانتظار إلى سياسة الأمر الواقع، وهي تتعامل مع سلطة دمشق، لأنها البوابة الوحيدة للعمل على الأرض.
ويرى محمد أن الهدف واضح وهو خلق حوافز للاستقرار في الداخل السوري عبر تحسين طفيف للظروف المعيشية، لكبح جماح الهجرة غير النظامية، ووجود KfW يمنح برلين عيوناً وآذاناً على الأرض، وقدرة على قراءة الوضع الاقتصادي بدقة بدل الاعتماد على تقارير خارجية هي خطوة أحادية تعطي ألمانيا نفوذاً مستقلاً في الملف السوري، وتسمح لها باختبار نيات دمشق عبر تعاون تقني بحت، قابل للتعليق الفوري عند أي تجاوز.
دعم تنموي مبكر وليس إعماراً سياسياً
وبيّن محمد أن الفرق بين المصطلحين جوهري، فالإعمار السياسي يتطلب حلاً شاملاً وانتقالاً سياسياً ورفعاً للعقوبات، أما ما سيمارسه KfW فهو الدعم التنموي المبكر الذي يركّز على المشاريع الحيوية الصغيرة كصيانة شبكات مياه وكهرباء متواضعة، وتركيب أنظمة طاقة شمسية لمستشفيات ومدارس محدّدة، و خلق فرص العمل المؤقتة عبر برامج النقد مقابل فرص العمل التي تشغل الشباب بشكل سريع وتضخ سيولة محدودة في جيوب الأسر الأكثر هشاشة، وقنوات الصرف الآمنة بأن تُضخ كل الأموال حصراً عبر وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الموثوقة.
لن يمر يورو واحد عبر البنك المركزي السوري أو أي وزارة، وهذا شرط ألماني غير قابل للتفاوض.
طوق نجاة للقطاع الخاص وبوابة للاقتصاد الحقيقي
وشدّد محمد على أن هذه النقطة هي الأكثر استراتيجية على المدى الطويل KfW عبر ذراعه (DEG) المتخصص بتمويل القطاع الخاص في الأسواق الناشئة والهشة، فافتتاح المكتب هو خطوة تأسيسية لمرحلة لاحقة قد تشهد تقييم البنوك المحلية ودراسة أهلية لبعض البنوك الخاصة السورية لاستقبال خطوط ائتمان، وقروضاً ميسرة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
وهذا هو المسار الوحيد الممكن لإعادة الحياة للنسيج الاقتصادي المنتج (زراعة، وصناعات وغذائية، وخدمات) بعيداً عن القطاع العام المنهار واحتكارات أمراء الحرب، و دعم متطلبات السوق الأوروبية بربط منتجين سوريين بشروط التصدير للأوروبي، مما يخلق حافزاً للشركات لتبنّي معايير حوكمة وجودة عالية كشرط للحصول على التمويل.
وختم أستاذ
التمويل والمصارف رأيه الأكاديمي بالقول: ألمانيا تستخدم KfW كرأس حربة لسياستها الجديدة وهي تخلق مساراً اقتصادياً موازياً للمسار السياسي المتعثر، هدفه منع الانهيار الكامل وخلق مصالح للاستقرار.
واعتبر أنه تدخّل جراحي اقتصادي دقيق في جسد الاقتصاد السوري، يستهدف خلاياه الحية (القطاع الخاص والمجتمع المحلي)، وأن نجاح هذا المسار مرهون بمدى تجاوب دمشق العملي، ليس بالتصريحات، بل بتسهيل عمل هذه الآلية بعيداً عن البيروقراطية والتدخّلات الأمنية.






