في خطوة تعكس توجه سورية نحو تعزيز منظومتها المالية والرقابية بما يتوافق مع المعايير الدولية، أُطلقت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، وسط توقعات بأن تسهم في تعزيز الشفافية، ودعم الثقة بالقطاع المالي، وتحسين بيئة الاستثمار، غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهوناً بفاعلية تطبيقها وقدرتها على ترجمة أهدافها إلى نتائج ملموسة تنعكس على الاقتصاد الوطني.
الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم قال في حديثه لـ”الوطن”: في تقديري أن إطلاق الاستراتيجية اليوم هو حجر الأساس في الملف الأهم الذي ينتظر سوريا خلال الأشهر المقبلة، وهو التقييم المتبادل المقرر مطلع حزيران من العام القادم.
وأضاف: لكي يفهم القارئ ما يعنيه التقييم المتبادل، فهو عملية فحص ميداني شامل تجريها فرق خبراء قادمة من دول أخرى ضمن مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المعروفة اختصاراً بمينافاتف، وهي الذراع الإقليمية لمجموعة العمل المالي فاتف، الجهة الدولية التي أسستها الدول الصناعية الكبرى عام 1989 لوضع المعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وأوضح أن هذه المجموعة تصدر 40 توصية تشكل المرجع العالمي الموحد، تغطي كل شيء من صياغة القوانين وتجريم غسل الأموال، إلى رقابة البنوك وشركات الصرافة، وصولاً إلى تعقب الأصول ومصادرتها والتعاون القضائي الدولي، وتسمى العملية تقييماً متبادلاً لأن الدول الأعضاء تقيم بعضها بعضاً بالتناوب، فلا توجد جهة عليا تصدر الأحكام من الخارج، بل خبراء نظراء يفحصون النظام من الداخل ويقارنونه بالمعايير نفسها التي خضعت لها بلدانهم.
ويرى عبد الكريم أن النقطة الجوهرية هي أن التقييم الحديث لم يعد يكتفي بفحص وجود القوانين على الورق، بل يقيس ما يسمى الفعالية، أي النتائج الملموسة على الأرض، من خلال 11 نتيجة مباشرة يفحصها المقيمون واحدة واحدة: كم بلاغ اشتباه تلقته وحدة التحريات المالية وكم منها جرى تحليله فعليا، كم قضية غسل أموال أحيلت إلى القضاء وكم حكم صدر فيها، كم أصلاً مالياً جرى تجميده أو مصادرته، وهل تفهم البنوك والصرافون والمحامون والعقاريون مخاطر القطاع الذي يعملون فيه.
وقال: هنا بالضبط تكمن قيمة الاستراتيجية التي أطلقت اليوم، لأن الاستراتيجية الوطنية بمفهومها الفني هي الوثيقة التي توزع الأدوار بين المصرف المركزي والقضاء ووزارات الداخلية والمالية والعدل والجهات الرقابية، وتحدد لكل جهة مهام وجداول زمنية ومؤشرات قياس، بحيث يجد المقيم الدولي أمامه منظومة متكاملة تعرف من يفعل ماذا ومتى، لا جهوداً متفرقة تعمل كل منها في جزيرة منعزلة.
أما عن أثرها في الخروج من القائمة الرمادية، فيرى عبد الكريم أنه لا بد أولاً من شرح هذه القائمة، إذ تحتفظ مجموعة العمل المالي بقائمتين، الأولى سوداء تضم الدول التي ترفض التعاون كلياً وتفرض عليها تدابير مضادة تجعل التعامل المالي معها شبه مستحيل، والثانية رمادية تضم الدول التي لديها أوجه قصور في أنظمتها لكنها التزمت سياسيا بمعالجتها ضمن خطة عمل محددة وتحت مراقبة دورية، وسوريا مدرجة على هذه القائمة الرمادية إلى جانب دول عربية أخرى بينها اليمن والجزائر ولبنان والكويت التي أضيفت مطلع العام الحالي.
ونوه عبد الكريم بأن الإدراج على القائمة الرمادية لا يعني عقوبات مباشرة، لكنه يعمل كإشارة تحذير حمراء تراها كل البنوك وصناديق الاستثمار وشركات التأمين في العالم، فترفع درجة الحذر في أي تعامل مع البلد المدرج، وتفرض عليه فحوصات إضافية تسمى العناية الواجبة المشددة، أي إجراءات تدقيق مضاعفة في هوية العميل ومصدر أمواله والغرض من كل تحويل، وهذه الإجراءات تستهلك وقتا وكلفة يدفع ثمنهما في النهاية التاجر والمستورد والمواطن السوري.
ووفقاً لتقديره المهني يرى عبد الكريم أن الاستراتيجية شرط ضروري للخروج من القائمة لكنها غير كافية وحدها، فالمسار الواقعي يسير على النحو التالي: تقييم متبادل إيجابي في حزيران القادم يثبت أن سوريا بنت الأساس التشريعي والمؤسسي، يليه اتفاق على خطة عمل محددة البنود مع مجموعة العمل المالي، ثم مراجعات دورية كل بضعة أشهر تتحقق من تنفيذ كل بند، وعندما تستوفى البنود كاملة تجري زيارة ميدانية أخيرة للتأكد من أن الإصلاحات مستدامة لا مؤقتة، وبعدها يصدر قرار الشطب من القائمة.
وأشار عبد الكريم إلى تجارب الدول التي سبقتنا والتي تقول إن هذه الرحلة تستغرق عادة بين سنتين وأربع سنوات من تاريخ التقييم، فالإمارات مثلاً احتاجت نحو سنتين للخروج بعد إدراجها، وكذلك تركيا، بينما احتاجت دول أخرى فترات أطول لأن التنفيذ لديها كان أبطأ.
وأكد عبد الكريم أن المكاسب الاقتصادية لا تنتظر لحظة الشطب النهائي، وهذه نقطة يغفلها كثيرون، فمجرد إظهار تقدم موثق ومنتظم يخفض ما يسميه المصرفيون علاوة المخاطر، وهي الكلفة الإضافية التي تضيفها البنوك العالمية على أي تعامل مع بلد مصنف عالي المخاطر، تماما كما ترفع شركة التأمين قسط التأمين على سائق كثير الحوادث، والأرقام الدولية في هذا الملف واضحة، إذ تشير دراسات صندوق النقد الدولي إلى أن الإدراج على القائمة الرمادية يخفض تدفقات رأس المال الداخلة إلى الدولة بما يقارب 7.6 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي في المتوسط، ويخفض الاستثمار الأجنبي المباشر وحده بنحو 3 بالمئة من الناتج، والاستثمار الأجنبي المباشر هو الأموال التي يضعها مستثمر أجنبي في مشاريع حقيقية داخل البلد كمصنع أو فندق أو شبكة اتصالات، وهو أثمن أنواع التدفقات لأنه يخلق وظائف وينقل خبرات ولا يهرب عند أول أزمة.
وبقلب هذه المعادلة نفسها، فإن كل خطوة موثقة نحو الخروج من القائمة تعني استعادة تدريجية لهذه التدفقات المفقودة، وهو ما يعادل لاقتصاد يحتاج عشرات مليارات الدولارات لإعادة الإعمار فرقاً جوهرياً بين تعاف سريع وتعاف متعثر، لأن كلفة التمويل نفسها، أي سعر الفائدة الذي سيدفعه أي مشروع سوري للاقتراض من الخارج، ترتبط مباشرة بهذا التصنيف.
وعن الانعكاس العملي الأول والأسرع بين عبد الكريم أنه سيكون في ملف البنوك المراسلة، وهذا الملف يحتاج شرحاً لأنه مفتاح كل شيء، فالبنك المراسل هو بنك أجنبي كبير، في نيويورك أو فرانكفورت أو دبي، يفتح حساباً للبنك المحلي وينفذ عبره تحويلاته الدولية، فعندما يستورد تاجر سوري بضاعة من الصين، لا يذهب المال مباشرة من بنكه في دمشق إلى بنك المصدر في شنغهاي، بل يمر عبر سلسلة من البنوك المراسلة التي يثق بعضها ببعض. ومن دون هذه العلاقات لا يستطيع أي مصرف سوري تحويل دولار واحد إلى الخارج أو استقباله، مهما كانت ملاءته المالية.
وذكر عبد الكريم أنه قطعت البنوك العالمية علاقاتها مع سورية لسنوات طويلة ضمن ظاهرة تعرف بإزالة المخاطر، وهي انسحاب البنوك الكبرى من أسواق كاملة ليس لأن كل عملائها متورطين بمخالفات، بل لأن كلفة التدقيق في كل معاملة قادمة من ذلك السوق أصبحت أعلى من الأرباح المتوقعة منه، فيكون القرار التجاري البارد هو الإغلاق الشامل.
ونوه بأن هذا الجدار بدأ يتصدع فعلاً خلال العام الماضي، إذ استأنف مصرف سورية المركزي العمل عبر نظام سويفت، وهو الشبكة العالمية للرسائل المالية بين البنوك التي تشبه البريد الآمن للتحويلات، بعد انقطاع دام نحو 14 عاماً، وبدأت بنوك في تركيا وإيطاليا وألمانيا بإضافة المصارف السورية إلى أنظمتها، لكن إعادة الربط التقني وحدها لا تكفي، لأن مسؤول الامتثال في أي بنك مراسل يسأل سؤالاً واحداً قبل فتح الحساب: من يراقب هذا السوق وكيف، وما الضمانة أن الأموال المارة عبره نظيفة، وهنا تتحول الاستراتيجية من وثيقة حكومية إلى ورقة تفاوضية عملية بيد كل مصرف سوري، لأنها تقدم للمراسل الأجنبي جواباً مؤسسياً موثقاً على هذا السؤال، وتحول النقاش من هل نتعامل مع سورية أصلاً إلى ما شروط التعامل؟ وهذا بحد ذاته نقلة نوعية.
والانعكاس الثاني وفقاً لعبد الكريم يخص تحويلات المغتربين، وهي شريان حياة حقيقي للاقتصاد السوري تقدر بمليارات الدولارات سنوياً يرسلها ملايين السوريين في الخارج لعائلاتهم، والمشكلة أن القسم الأكبر من هذه الأموال يمر اليوم عبر قنوات غير رسمية تعرف بنظام الحوالة، وهو شبكة وسطاء تقوم على الثقة الشخصية، يسلم المغترب المال لوسيط في بلد إقامته فيسلمه وسيط آخر لعائلته في سورية دون أن يعبر المال أي بنك. هذا النظام سريع ورخيص للمواطن، لكنه يعني من زاوية الاقتصاد الكلي أن القطاع المصرفي يخسر سيولة ضخمة كان يمكن أن تتحول إلى ودائع وقروض، وأن المصرف المركزي يفقد القدرة على إدارة هذا التدفق ضمن سوق الصرف الرسمية، فيبقى سعر الصرف رهينة سوق موازية لا يراها أحد.
وقال: العلاقة هنا مباشرة، كلما ارتفعت ثقة البنوك العالمية بمنظومة الامتثال السورية انخفضت كلفة التحويل الرسمي وزمنه، وكلما انخفضت الكلفة انتقل جزء متزايد من هذه المليارات من جيوب الوسطاء إلى القنوات المصرفية، وهذا يدعم استقرار الليرة ويوسع قدرة البنوك على الإقراض في آن واحد.
أما الانعكاس الثالث قال عبد الكريم: فيخص الاستثمار الأجنبي، وهنا أوضح آلية لا يعرفها كثيرون: المستثمر المؤسسي الجدي، سواء كان صندوقاً سيادياً خليجياً أم شركة طاقة دولية أو بنكاً إقليمياً يدرس فتح فرع، لا يملك حرية القرار الكاملة حتى لو اقتنع بجدوى السوق السورية، لأنه يخضع بدوره لأنظمة امتثال صارمة في بلده الأم تحاسبه إذا ضخ أموالاً في بيئة لا تستوفي الحد الأدنى من معايير مجموعة العمل المالي، وقد تعرضه لغرامات بمئات ملايين الدولارات، لذلك أصف الإستراتيجية دائماً بأنها جواز عبور غير مباشر لرأس المال، فهي لا تجلب المستثمر بنفسها، لكنها ترفع الحاجز القانوني الذي كان يمنعه من المجيء حتى لو أراد.
وخلص الخبير الاقتصاد ي إلى أن الإستراتيجية وحدها لا تكفي، ونجاحها مشروط بأربعة إصلاحات موازية يجب أن تسير معها بالتزامن لا بعدها، الإصلاح الأول هو القضاء، لأن المقيم الدولي يعد أي إستراتيجية لا تنتج ملاحقات قضائية وأحكاماً فعلية في قضايا غسل الأموال حبراً على ورق، فالفعالية تقاس بالأحكام لا بالنصوص، والإصلاح الثاني هو الشفافية في ملكية الشركات عبر إنشاء سجل للمستفيد الحقيقي، والمستفيد الحقيقي هو الشخص الطبيعي الذي يملك الشركة أو يسيطر عليها فعلياً خلف الواجهات القانونية من شركات وهمية ووكلاء وأقارب، وهذا الملف تحديداً حساس في الحالة السورية بسبب إرث عقود من الشركات الواجهة التي أخفت ملكيات نافذة. أما الإصلاح الثالث هو ضبط الاقتصاد النقدي غير الرسمي، فاقتصاد يتعامل معظمه بالأوراق النقدية خارج البنوك يبقى بيئة مثالية لتحريك الأموال من دون أثر، ولذلك فإن التحول التدريجي نحو المدفوعات الإلكترونية وإخضاع قطاع الصرافة لرقابة فعلية جزء لا يتجزأ من المعركة. والإصلاح الرابع هو البنية التقنية والبشرية داخل البنوك نفسها، من أنظمة فحص أسماء العملاء ومراقبة المعاملات المشبوهة آلياً، إلى تدريب كوادر الامتثال التي أنهكتها سنوات العزلة.
وختم عبد الكريم بالقول إن سورية تقف اليوم على بعد نحو 11 شهراً من امتحان دولي دقيق، والإستراتيجية التي أطلقت وضعتها على أول الطريق الصحيح، وهي فترة ضيقة لكنها كافية إذا تحول التنفيذ إلى أولوية حكومية عليا بمتابعة أسبوعية لا موسمية، لأن الذي سيوضع على الطاولة في حزيران القادم ليس نص الإستراتيجية، بل أثرها المقاس بالأرقام: عدد البلاغات، عدد القضايا، حجم الأصول المضبوطة، وسرعة استجابة المؤسسات. فإذا نجحنا في هذا الامتحان فتحنا للاقتصاد السوري باباً يساوي مليارات الدولارات من التحويلات والاستثمارات وخطوط التمويل، وإذا تعثرنا دفعنا كلفة سنوات إضافية من العزلة المالية في لحظة لا يحتمل فيها الاقتصاد ترف الانتظار.








