المزيد

‫آخر الأخبار:‬

اكتئاب ما بعد النصر

‫شارك على:‬
20

بقلم: أحمد كامل

تميزت الثورة السورية عن الثورات التي شهدها العالم أجمع، وخاصة الثورات المسماة ثورات شعبية، بأنها ثورة شعبية فعلاً.

الشعب هو الذي أطلقها، وهو الذي حدد أهدافها، وهو الذي طور أساليبها، بعفوية مدهشة. لم يوجد قائد واحد للثورة السورية، ولا حزب قائد، ولا مجلس قيادة، ولا لجنة تنفيذية، ولا هيئة أركان، ولا إعلام موحد، ولا صندوق دعم، ولا ممول، ولا رمز واحد للثورة. كان يوجد عدد كبير من الرموز، وعدد كبير من “القادة” السياسيين، وعدد كبير من القادة العسكريين، وفصائل تمول نفسها بيع بيوت ومحلات وذهب نساء أعضائها، وأخرى بجمع التبرعات.

لقد كان عدد كبير من المواطنين يقومون بالعمل الإعلامي، وعدد أكبر يقومون بالعمل العسكري والثوري، وحشد من المواطنين يقومون بالعمل الإغاثي، وحشد آخر يقوم بالعمل المالي، ومئات يقومون بالعمل السياسي، دون أي مؤسسات ثابتة.

البعض كان يرى في ذلك منقصة وعيباً كبيراً، يؤدي للتفتت والتشتت والشعبوية، وتعدد الأهداف، وتناقض القرارات، لا بل التصادم بين قوى الثورة أيضاً. والبعض الآخر كان يرى في ذلك ميزة، تحول دون السيطرة الخارجية على الثورة، أو القضاء عليها، أو خداع الثوار كلهم أو حرفهم كلهم.

وفي الحقيقة فإن هذا الوضع كان نتيجة لأسباب ذاتية عميقة، ونتيجة لواقع عملي يستحيل تجنبه، تمثل بتعدد وعدم تواصل جبهات الثوار والمقاتلين جغرافيا، وتعدد الأعداء وقوى الاحتلال الأجنبي، والتدخلات الأجنبية، وتعدد الداعمين، وتنوعهم، وتعدد أهدافهم، وعدم وجود حياة سياسية في سورية من نصف قرن، وبالتالي عدم وجود أحزاب حقيقية، ولا تأطير للجماهير.. وهو واقع يجعل من غير الممكن فعليا وجود قيادة واحدة وجيش معارض واحد وتمويل ذاتي وموحد وإعلام موحد.

إذا الثورة السورية ثورة شعبية بامتياز، هي ثورة شعب، ومجتمع، أطلقها وقادها المجتمع السوري، وهي ثورة أتعبت النظام، أنهكته، وفضحته، وزلزلته، وما كان من الممكن إسقاط النظام لولا استنزاف الشعب السوري للنظام البائد.

لكن الشعب السوري وقوى المجتمع السوري لم يوجهوا للنظام الضربة القاضية. فإسقاط النظام كان يحتاج لعشرات ألوف المقاتلين المنظمين المسلحين المنضبطين تحت قيادة واحدة وهدف واحد وإدارة واحدة، وهو ما توفر فقط لدى محرري سوريا.

سقوط النظام فجأة، جعل المجتمع السوري يصاب بحالة غريبة لم تحظ بعد بدراسة وافية تفسر سبب وقوعها، وهي التحول من قوة فاعلة قامت بإحدى أعظم الثورات في التاريخ، إلى قوة شبه خاملة، ظاهرة صوتية، تكرس وقتها وجهدها كله للنقد المسرف لمن أسقط النظام بالضربة القاضية، ولتقديم المطالب اللامتناهية، والمستحيلة التحقيق في الغالب.

هذا، مع أنه كان من المفروض والمنطقي والمتوقع، أن يحصل العكس تماماً، كان من المفروض أن يزداد العمل التطوعي والمجتمعي بعد سقوط النظام، لا أن يتراجع، وأن يقل الكلام والشكوى وتتوقف المطالب الخيالية غير ممكنة التحقيق، لا أن تنفلت، وتصبح بديل العمل للمجتمع وقواه.

فكم مرة سمعنا على مر سنين المعارضة ثم الثورة، أن العمل سيبدأ يوم سقوط النظام، ولن ينتهي يوم سقوطه، وأنه الجهاد الأكبر الذي يلي الجهاد الأصغر، ومع ذلك لم نر الكثير من هذا يوم سقط النظام فعلاً.

لقد حصل (عموماً، وليس كلياً) تغير غريب في سلوك مئات ألوف (وملايين) السوريين الذين كانوا نشطاء يبادرون للعمل وإيجاد الحلول لكل ما يواجه الناس من مصاعب، فتحولوا إلى خطباء، ومطالبين، ونشطاء على وسائل التواصل. وهي حالة أصابت عدة مجتمعات عبر التاريخ، لكن الغريب أنها تصيب المجتمعات المهزومة، ولا تصيب المجتمعات المنصورة، كالمجتمع السوري.

جميع التفسيرات التي أعطيت لهذه الظاهرة، تبدو قاصرة عن شرحها الشرح المقنع:

فالبعض يرى أن النصر كان أعظم وأسرع من أن تدركه كثير من قوى المجتمع، فأصيبت بالتشتت والاسترخاء، أو الانتظار والانسحاب من المشهد.

وآخرون يعتقدون أن المجتمع الذي أدار نفسه في أصعب ظروف الحرب، لم يجد بعد الطريقة المثالية ليدير نفسه في ظرف البناء وإعادة الإعمار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والنفسي.

ويرى فريق ثالث أن الأمر لا يعدو كونه إحساساً بأن الصراع انتهى، وبالتالي انتهى العمل، وآن وقت الحصاد، وجني ثمار العمل المضني الطويل الذي تم. إنه استرخاء المجتمع وقواه، بعد صراع طويل مرير دموي.

ويذهب فريق رابع إلي الاعتقاد أن المجتمع السوري بعد النصر، يمر بحالة تشبه ما يسمى طبيا بـ “اكتئاب ما بعد الولادة”، وهي حالة تصيب نسبة عالية من النساء، بعد الحمل والولادة الصعبة، حيث تميل المرأة إلى السكون، وقلة الحركة، وعدم الرضا المبالغ فيه.

ورغم ميلي إلى التفسير الرابع، الذي يمكن تسميته بـ “اكتئاب ما بعد النصر” إلا أن الظاهرة تبدو أشد تعقيداً من ذلك، وتحتاج للمزيد من الوقت والبحث لفهم أسبابها وأبعادها، ومآلاتها.

الإيجابي والمبشر في الأمر أن التفسيرات تميل إلى أن الظاهرة مؤقتة، وستنتهي بالزوال، وسيعود المجتمع إلى نشاطه المعهود، ومواجهة مشكلاته بالعمل وليس بالنقد وتحميل المسؤولية للغير، وتحديداً لمن حرروا سوريا وطردوا محتليها.

يكون المجتمع قد تحرر من هذه السحابة، حين يتحرك مواطن لتنظيف القمامة من أمام مدخل عمارته لحل مشكلة تراكم القمامة. ويكفي لحل المشكلة أن يتحرك واحد من كل سكان عمارة، بدل سب البلدية والحكومة، وكتابة البوستات الناقدة بقسوة، التي تحمل المسؤولية للجميع، إلا من يكتب البوست.