في ظل استمرار الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، تأتي جلسة استماع وزير الطاقة أمام مجلس الشعب لتعكس الضغوط المزدوجة التي يواجهها قطاع الطاقة، والمتمثلة في ضرورة تأمين الإمدادات وضبط الأسعار في سوق يعاني اختلالاً بنيوياً.
ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، في حديثه لـ”الوطن” أن الواقعية في تحقيق الاكتفاء النفطي تبقى محدودة في المدى القريب، في ظل وصول الإنتاج الحالي من النفط إلى نحو 112 ألف برميل يومياً، مقابل فجوة تبلغ نحو 200 ألف برميل يومياً، وكان وزير الطاقة محمد البشير قد أقر صراحة بهذه الفجوة، مشيراً إلى أن الاحتياجات ارتفعت بعد دخول مناطق جديدة ضمن نطاق التزويد.
خطة 2028 أمام تحديات التمويل والتأهيل
ويشير محمد إلى أن خطة الوصول إلى الاكتفاء النفطي عام 2028 تعتمد على استكشافات جديدة وتأهيل الحقول، لافتاً إلى أن الوزارة دخلت بالفعل في مفاوضات مع شركات عالمية، إلا أن نجاح هذه الخطة يرتبط بتأمين مجموعة من الشروط الأساسية.
ويأتي في مقدمة هذه الشروط تأمين قطع التبديل والقطع الأجنبي اللازم للاستيراد، وهي عقبة صريحة اعترف بها وزير الطاقة، إضافة إلى إعادة تشغيل الحقول المؤهلة، ولا سيما أن الوزارة أغلقت آباراً بصورة مؤقتة بهدف إعادة تأهيلها، كما تتطلب الخطة استثمارات ضخمة، في وقت تبلغ فيه كلفة استيراد المشتقات وحدها 831 مليون دولار شهرياً.
ويرى الدكتور محمد أن تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2028 يتطلب تسريعاً غير مسبوق في عمليات الحفر والتأهيل، وهو ما تعترضه قيود تشغيلية ومالية واقعية.
إعادة التأهيل ضرورية
ويؤكد محمد أن إعادة التأهيل تمثل حلاً ضرورياً، لكنها ليست كافية وحدها، مشيراً إلى أن الاستيراد سيبقى ركيزة لسنوات، إذ إن مصفاتي بانياس وحمص بطاقتهما التصميمية، البالغة نحو 150 ألف برميل يومياً، لا تعادلان حتى الاستهلاك المحلي من المشتقات، ولا سيما مع توقف مصفاة بانياس لإجراء العمرة الشاملة.
كما أن خطوط النقل، ومنها خط الرميلان–حمص، تخضع لأعمال تأهيل، لكنها تحتاج إلى فترة تتراوح بين 3 و4 أشهر لتصبح جاهزة.
ويعتبر أن المشكلة البنيوية الأعمق تتمثل في أن ارتفاع الإنتاج وحده لن يكون كافياً لمعالجة الفجوة، فحتى في حال ارتفاع الإنتاج إلى 300 ألف برميل يومياً، فإن الطاقة التكريرية الحالية لن تكون قادرة على استيعاب هذه الكميات، وبالتالي ستظل العقود الخارجية والاستيراد ضرورة مرحلية ممتدة، ولا سيما مع ارتفاع استهلاك المازوت إلى 12 مليون ليتر يومياً والبنزين إلى 8 ملايين ليتر.
فجوة هيكلية
ومن وجهة نظر أكاديمية اقتصادية، يرى محمد أن أرقام وزارة الطاقة تعكس بنية لقطاع نفطي يعاني فجوة هيكلية بين العرض والطلب، وهي فجوة لا يمكن سدها بحلول قصيرة الأجل.
ويشير إلى أن إعادة التأهيل والاستكشافات تمثل خطوات صحيحة، لكنها تحتاج إلى سنوات، في حين أن الضغوط المعيشية آنية، ولذلك تبدو السياسة السعرية المتبعة إجراءً إسعافياً أكثر منها حلاً للاختلال البنيوي.
ويرى أن الحل المستدام يقتضي العمل بالتوازي على رفع الإنتاج وزيادة الطاقة التكريرية وضبط الطلب من خلال سياسات كفاءة الطاقة، أما الاعتماد على الاستيراد، فسيظل قائماً كخيار اضطرار، لكن تكلفته المالية والنقدية ستستنزف موارد الدولة ما لم تقترن بإصلاحات جوهرية في الحوكمة والاستثمار.









