قد يبدو نمو الاقتصاد السوري بأكثر من 10% خلال 2026 مؤشراً قوياً على التعافي، لكن المفارقة أن النسبة المرتفعة لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد يتعافى بالسرعة نفسها التي يوحي بها الرقم. فنمو اقتصاد حجمه 32 مليار دولار بنسبة 10% يعني إضافة نحو 3.2 مليارات دولار فقط، في حين تقاس احتياجات إعادة الإعمار وتحسين مستوى المعيشة بعشرات ومئات المليارات.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس أحمد الشرع توقعات رسمية بارتفاع حجم الاقتصاد السوري من نحو 32 مليار دولار عام 2025 إلى 50 ملياراً في 2026، مع طموح طويل الأجل للوصول إلى 200 مليار دولار، أي نحو ثلاثة أضعاف مستوى عام 2010 تقريباً، بعدما كان الاقتصاد عند نحو 20 مليار دولار في 2024.
قاعدة منخفضة
يقول أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماه الدكتور عبد الرحمن محمد في تصريح لـ«الوطن»: إن تجاوز النمو 10% يندرج ضمن نمط الانتعاش الذي تشهده اقتصادات ما بعد الصراع، حيث يمكن لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة والأراضي الزراعية الخاملة أن تحقق معدلات نمو مرتفعة انطلاقاً من قاعدة منخفضة.
ويشير إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة تحسناً جوهرياً في الإنتاجية والقدرة التنافسية، فالنمو بنسبة 10% في اقتصاد يبلغ 200 مليار دولار يعني إضافة 20 مليار دولار، أي أضعاف ما يضيفه المعدل نفسه إلى اقتصاد حجمه 32 ملياراً.
فجوة كبيرة
ويرى محمد أن النمو الحالي لا يكفي لتلبية الاحتياجات العامة، في ظل فجوة إعادة الإعمار التي تقدرها تقارير البنك الدولي بنحو 216 مليار دولار، منها 108 مليارات أضرار مباشرة.
ويضاف إلى ذلك ضغط المعيشة، إذ تواجه نحو 90% من الأسر السورية صعوبة في تغطية احتياجاتها الأساسية، فيما تبلغ تكلفة الحد الأدنى المعيشي ثلاثة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور، إلى جانب اختلال القطاع المصرفي وعجزه عن أداء دوره الكامل في الوساطة المالية، وفق تقييم صندوق النقد الدولي.
رقم لا يكفي
ويشير محمد إلى أن بلوغ 60 مليار دولار بحلول 2027 يبدو ممكناً حسابياً إذا تحقق الوصول إلى 50 ملياراً في 2026، لكن استعادة الرقم لا تعني استعادة اقتصاد 2010، الذي كان ينتج نحو 400 ألف برميل نفط يومياً، ويتمتع بفائض كهربائي للتصدير إلى لبنان، ويغطي نحو 90% من احتياجاته الدوائية، مع بطالة عند 8.4%.
أما الوصول إلى 200 مليار دولار، فيحتاج عند نمو سنوي 10% إلى نحو 20 عاماً، ما يجعله اتجاهاً استراتيجياً أكثر من كونه مساراً زمنياً محدداً.
ويخلص محمد إلى أن الاختبار الحقيقي ليس في ارتفاع الناتج فقط، بل في تحويل النمو إلى إنتاجية وصادرات واستثمارات وفرص عمل وتحسن في معيشة السوريين، وإلا فإن استعادة الأرقام ستبقى استعادة لحجم الاقتصاد على الورق، لا لقوته الاقتصادية والاجتماعية.

عبد الهادي شباط
الوطن -
مواضيع:
المزيد
اخترنا لك
المزيد







