في وقت تتجه فيه سوريا نحو مرحلة جديدة من إعادة الإعمار وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية يبرز التهرب الضريبي بوصفه واحداً من أخطر التحديات التي تواجه السياسة المالية لما يسببه من استنزاف للإيرادات العامة وتقليص لقدرة الدولة على تمويل الخدمات والبنى التحتية.
ويؤكد الدكتور عبدالرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة في تصريح للوطن أن معالجة هذه الظاهرة لا تتعلق فقط بتشديد الرقابة أو فرض العقوبات بل تحتاج إلى إصلاح شامل يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمكلف ويؤسس لنظام ضريبي عادل وفعال.
ظاهرة واسعة
ويقول محمد إن التهرب الضريبي يتمثل في محاولة المكلف التخلص كلياً أو جزئياً من الالتزامات الضريبية عبر وسائل تخالف روح القانون وقد تصل إلى مخالفة نصوصه وهو يختلف عن التجنب الضريبي المشروع الذي يقوم على الاستفادة من الثغرات القانونية كما يختلف عن الغش الضريبي الذي يعتمد على وسائل احتيالية مثل التزوير

ويضيف أن الأرقام الدقيقة لحجم التهرب الضريبي في سوريا غير متوافرة رسميا لكن المؤشرات تؤكد أن الظاهرة واسعة الانتشار وهو ما تعكسه التشريعات الخاصة بمكافحة التهرب الضريبي التي حددت حالات متعددة مثل عدم مسك القيود المحاسبية أو تقديم بيانات غير صحيحة أو إخفاء نشاطات اقتصادية كاملة.
ويشير إلى أن اتساع الاقتصاد الخفي وخروج جزء كبير من الأنشطة الاقتصادية عن المظلة الضريبية يؤديان إلى خسارة الخزينة العامة موارد كبيرة كان يمكن توظيفها في تمويل التنمية وإعادة الإعمار.
أسباب متعددة
ويبين الدكتور عبدالرحمن محمد أن التهرب الضريبي في سوريا يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة في مقدمتها ضعف المؤسسات والبيروقراطية وانتشار الفساد وتراجع كفاءة الإدارة الضريبية في الرقابة والتدقيق
ويضيف أن شعور بعض المكلفين بارتفاع الأعباء الضريبية أو بعدم عدالتها يشجع على التهرب كما أن ضعف الثقة بين المواطن والدولة وعدم اقتناع المكلف بأن حصيلة الضرائب تنعكس على شكل خدمات عامة يقلل من مستوى الالتزام الضريبي.
ويلفت إلى أن ضعف استخدام التقنيات الحديثة في التدقيق والربط الإلكتروني إلى جانب التوسع في الإعفاءات الضريبية غير المدروسة يوفران بيئة تساعد على استمرار هذه الظاهرة.
إصلاح شامل
ويرى الدكتور محمد أن الحد من التهرب الضريبي يتطلب تبسيط التشريعات الضريبية وتحديث الإدارة الضريبية ورقمنة أعمالها واعتماد قواعد بيانات متكاملة وربطها مع الجهات المختلفة بما يرفع كفاءة التحصيل ويحد من فرص التلاعب.
ويؤكد ضرورة تشديد العقوبات على المتهربين وتطبيقها بعدالة على الجميع مع تجنب اللجوء المتكرر إلى العفو الضريبي لأنه يضعف ثقافة الالتزام ويشجع على تكرار المخالفات.
الثقة أولاً
ويشدد محمد على أن نجاح مكافحة التهرب الضريبي يبدأ بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن من خلال الشفافية وتحسين الخدمات العامة ومحاربة الفساد مؤكداً أن النظام الضريبي يجب أن ينظر إليه باعتباره عقداً اجتماعياً يحقق العدالة ويسهم في التنمية وليس مجرد وسيلة لتحصيل الإيرادات.
ويختم تصريحه بالتأكيد على أن بناء نظام ضريبي عادل وفعال يمثل ضرورة اقتصادية ووطنية لأن استمرار التهرب الضريبي سيبقي جزءا كبيرا من موارد الدولة مهدرا وسيجعل تمويل التنمية وإعادة الإعمار أكثر صعوبة واعتماداً على الموارد الخارجية.








