أعاد اعتراف كولومبيا بما سمته “السيادة الإسرائيلية” على الجولان السوري المحتل، في 10 آب 2026، ملف الجولان إلى واجهة التحرك الدبلوماسي السوري، فاتحاً جولة جديدة من المواجهة السياسية والقانونية لمنع تحويل الاحتلال إلى أمر واقع قابل للتثبيت ثم إلى اعتراف دولي يمكن تكراره.
ولا يغير الموقف الكولومبي الوضع القانوني للجولان، الذي تؤكده مرجعية أممية واضحة منذ احتلال إسرائيل معظم أراضيه عام 1967، ففي القرار 497 لعام 1981، اعتبر مجلس الأمن قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل “باطلاً وملغياً وليس له أثر قانوني دولي”، وطالبها بالتراجع عنه، كما واصلت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارات متعاقبة تأكيد رفض الضم والدعوة إلى انسحاب إسرائيل إلى خط الرابع من حزيران 1967.
وشكل الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان في آذار 2019 محاولة لكسر هذا الموقف الدولي، لكنه لم يغير الوضع القانوني للأرض، ولم يتحول إلى إجماع دولي، وتكمن أهمية الاعتراف الكولومبي اليوم في أنه يفتح الباب أمام محاولة تحويل الاستثناء إلى مسار، بما يجعل منع تكرار هذه المواقف هدفاً أساسياً للدبلوماسية السورية.
ومع تحريردمشق وسقوط النظام البائد في 8 كانون الأول 2024، لم يتغير الوضع القانوني للجولان، لكن البيئة السياسية والأمنية المحيطة به تغيرت بصورة كبيرة، ولا سيما مع دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى المنطقة العازلة ومواقع إضافية على الجانب السوري من خط فض الاشتباك، وأكدت الأمم المتحدة أن الوجود الإسرائيلي داخل منطقة الفصل يشكل انتهاكاً لاتفاق فصل القوات الموقع عام 1974.
وفي هذا السياق، أعادت دمشق ترتيب أدوات التعامل مع الملف، وانتقل دور وزارة الخارجية والمغتربين إلى إدارة تحرك دبلوماسي متواز، يقوم على تثبيت المرجعية القانونية للجولان، وحشد المواقف العربية والدولية والتواصل مع القوى المؤثرة، وربط أي ترتيبات أمنية باحترام السيادة السورية.
وبرز هذا المسار في الاتصالات والمفاوضات السورية الإسرائيلية التي شارك فيها وزير الخارجية أسعد الشيباني خلال عامي 2025 و2026 بوساطة أمريكية، حيث تركزت المباحثات على خفض التصعيد وإعادة تفعيل اتفاق 1974، مع التأكيد على وحدة سوريا وسلامة أراضيها ورفض تحويل الترتيبات الأمنية إلى تنازل سيادي.
وبالتوازي، واصلت دمشق تحركها في المحافل الدولية، وجاء تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2 كانون الأول 2025 على قرار “الجولان السوري” بأغلبية 123 دولة مقابل 7 وامتناع 41، ليؤكد استمرار الكتلة الدولية الرافضة للضم، والداعية إلى انسحاب إسرائيل من الجولان المحتل.
ومن هنا، فإن معركة سوريا الجديدة حول الجولان المحتل لم تعد معركة لإثبات الحق، فهذا الحق ثابت في القرارات الدولية، وإنما معركة لحمايته من التآكل السياسي ومنع انتقال الاحتلال من واقع ميداني إلى أمر واقع سياسي، ولهذا جاء الرد السوري على الاعتراف الكولومبي حاسماً، إذ أكدت وزارة الخارجية أن الجولان جزء لا يتجزأ من الأراضي السورية، وأن المبررات الأمنية التي استند إليها القرار لا تنسجم مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، تدير دمشق معركة طويلة الأمد عنوانها تثبيت أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن الاعترافات المنفردة لا تملك تغيير وضعه القانوني.






