ليست الدراما مجرّد ترفٍ بصري أو سردٍ للتسلية؛ إنها أداةٌ لتشكيل المعنى، وإعادة ترتيب الوقائع داخل الوعي الجمعي، وحين تتناول الدراما أحداثاً دامية أو تجارب قهرٍ جماعي، فإنها لا تكتفي بإحياء الذاكرة، بل تعيد صياغتها، هنا يبرز السؤال الأخلاقي: هل تنصف الضحايا، أم تعيد إيذاءهم تحت غطاء الفن؟
في كل مرة تُعرض فيها دراما تستلهم جرحاً جماعياً، تهتزّ الذاكرة قبل أن تهتزّ الشاشة، لا لأننا نرى قصةً جديدة، بل لأننا نرى أنفسنا- أو بعضنا- مُعادين إلى لحظةٍ لم تلتئم بعد. الدراما لا تطرق باب الماضي بخفة؛ إنها تدخل بسلطة الصورة، وتجلس في صدر الوعي، وتعيد ترتيب ما ظنناه استقرّ في خزائن الذاكرة، وهنا يبدأ السؤال الأخلاقي: هل تُنصف الضحايا حين تُعيد سرد مأساتهم، أم تُعيد إيذاءهم تحت ضوءٍ أكثر سطوعاً؟
الذاكرة الجمعية ليست دفتراً مغلقاً ولا أرشيفاً بارداً، إنها كائنٌ حيّ، يتغذّى على السرد، ويتشكّل بما يُقال وما يُحذف، بما يُسلَّط عليه الضوء وما يُترك في الظل. في الحالة السورية، لم تعد الذاكرة مجرّد حكاياتٍ تُروى؛ إنها صورٌ مسرّبة، وأسماءٌ محفورة، وأصواتٌ اختنقت خلف الجدران.
حين يُذكر اسم عبد الباسط الساروت لا يُستحضر شخصٌ فحسب، بل مرحلةٌ كاملة من التحوّل: من مدرّجات الملاعب إلى مدرّجات الثورة من الهتاف الرياضي إلى الهتاف السياسي. صار الساروت بالنسبة لكثيرين رمزاً لمرحلةٍ مشحونة بالأمل والانكسار معاً، لكن تحويله إلى شخصيةٍ درامية ليس أمراً محايداً؛ فإما أن يُقدَّم كإنسانٍ معقّدٍ في سياقه، أو يُختزل إلى أيقونةٍ مُسطّحة تُستخدم لإضفاء عمقٍ عاطفيّ على عملٍ تلفزيوني.
وحين يُقال “قيصر” لا يعود الاسم لقباً مستعاراً فحسب، بل إشارةً إلى الصور التي سرّبها قيصر تلك الصور التي وثّقت أجساداً أنهكها التعذيب، وحوّلت الألم من روايةٍ شفوية إلى دليلٍ بصريّ يصعب إنكاره. هذه الصور لم تكن مشاهد درامية؛ كانت واقعاً عارياً من أي إخراج، فكيف يمكن لدراما أن تقترب من هذا النوع من الذاكرة دون أن تُسقط عليها جمالياتٍ تُلطّف فظاعتها أو تُحوّلها إلى عنصر صدمةٍ محسوب؟
ثم هناك سجن صيدنايا، الاسم الذي صار في المخيال الجمعي مرادفاً للرعب الصامت، ليس مبنىً فقط، بل سرديةٌ كثيفة من الاختفاء، والهمس، والانتظار الطويل عند الأبواب المغلقة. صيدنايا ليست موقعاً جغرافياً بقدر ما هي حالة نفسية؛ ذاكرةٌ مُعلّقة بين الرجاء واليأس. حين تُستَخدم كخلفيةٍ درامية هل يُراد كشف الحقيقة، أم توظيف الرمز؟
المعضلة هنا ليست في استحضار هذه الأسماء، بل في كيفية استحضارها. الدراما بطبيعتها تميل إلى البناء: بطل، ذروة، خاتمة. لكن المأساة الجماعية لا تسير وفق هذا المنطق. لا نهاية واضحة، ولا عدالة مكتملة، ولا بطلٌ واحد يحمل القصة على كتفيه. ثمّة آلاف القصص التي لم تُروَ، وآلاف الأسماء التي لم تُذكر، اختزالها في مسارٍ سرديّ واحد قد يمنح العمل تماسكاً فنّياً لكنه قد يُفقِد الذاكرة عدالتها.
العدالة الانتقالية في جوهرها تقوم على الاعتراف، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر الرمزي قبل المادي ويمكن للفن أن يكون شريكاً في هذا المسار حين يفسح المجال للضحايا ليكونوا أصحاب الصوت لا مجرد شخصياتٍ ثانوية في قصةٍ أكبر. أما إذا تجاهل السياق، أو ساوى بين الضحية والجلاد باسم “التوازن”، أو قدّم الألم كخلفيةٍ لتشويقٍ بصري، فإنه يتحوّل- من حيث لا يدري- إلى أداة إعادة إنتاج للجرح.
ليست المشكلة أن نروي عن الساروت، أو عن قيصر، أو عن صيدنايا. المشكلة أن نروي دون وعيٍ بثقل الأسماء. أن نستخدمها كعناوين جذابة لا كأمانةٍ أخلاقية فالذاكرة السورية- مثل كل ذاكرةٍ مثقلة بالعنف- ليست مادةً خاماً للسيناريو، بل مساحةً حساسة تتطلب تواضعاً، وبحثاً دقيقاً، واحتراماً عميقاً.
في النهاية تبقى الدراما اختباراً للضمير: هل نُعيد سرد المأساة لنُثبّت الحقيقة ونُكرّم الضحايا، أم نُعيد تمثيلها حتى تألفها أعيننا فتصير مشهداً عادياً؟ بين التوثيق والاستغلال خيطٌ رفيع، وحين ينقطع هذا الخيط لا تتضرر الحقيقة وحدها، بل تتضرر الذاكرة نفسها—وتُصاب العدالة الأخلاقية بجرحٍ جديد.




