ثمانية أعوام تقريباً تفصل بين الهتاف الأول الذي صدح في شوارع حمص ولحظة انتصار الثورة السورية، لكن بعض الأصوات بقيت عصيّة على الغياب لأنها لم تكن مجرد أصوات عابرة، بل تعبير صادق عن روح شعب كامل، ومن أبرزها صوت عبد الباسط الساروت، الذي تحضر ذكراه اليوم بوصفه رمزاً لجيل آمن بالحرية ودفع ثمنها من عمره ودمه ومستقبله.
لم يكن الساروت ظاهرة إعلامية صنعتها الظروف، بل حالة ثورية صنعتها القناعة، شاب بدأ حياته حارساً لمرمى نادي الكرامة ومنتخب الشباب السوري، قبل أن يتحوّل إلى حارس لكرامة وطن بأكمله، وعندما انطلقت الثورة حمل صوته قبل أن يحمل أي شيء آخر، فصار الهتاف سلاحه الأول والنشيد رايته والكلمة الحرة خندقه المتقدّم في مواجهة الاستبداد.
وقد أدرك السوريون مبكراً أن أناشيد الساروت لم تكن مجرد أغنيات حماسية تردّدها الحناجر في الساحات، بل كانت بمثابة نبض جماعي يعيد إنتاج الأمل كلما حاول اليأس التسلّل إلى النفوس، كان صوته يشبه نهر العاصي حين يفيض خارج ضفافه، يجرف الخوف ويترك مكانه مساحة واسعة للشجاعة والإيمان بالمستقبل، وعندما كان يهتف “جنة جنة جنة يا وطنا”، لم يكن يرسم صورة حالمة بعيدة عن الواقع، بل كان يزرع في الوجدان السوري يقيناً بأن الوطن الذي يستحق التضحية لا بدّ أن يستعيد حريته يوماً.

واللافت أن مسيرة الساروت اختصرت مسيرة الثورة نفسها، فمن المظاهرات السلمية في أحياء حمص إلى الحصار ثم التهجير ثم ساحات القتال، ظل الرجل يتحرك مع الثورة في كل تحوّلاتها، وكأن حياته كانت مرآة لمسارها الكامل، لم يغادرها عندما اشتدت التضحيات، ولم يتراجع عندما فقد إخوته وأفراداً من عائلته ورفاق دربه، بل بقي ثابتاً على العهد الذي اختاره منذ الأيام الأولى.
وحين استشهد عام 2019، ظن كثيرون أن صفحة من صفحات الثورة قد أُغلقت إلى الأبد، لكن ما حدث لاحقاً أثبت العكس، فقد رحل الجسد وبقي الأثر، بقيت الأناشيد تتردّد، وبقيت الصور مرفوعة، وبقيت الحكاية تنتقل من جيل إلى جيل.
ثم جاءت لحظة انتصار الثورة وسقوط النظام البائد لتمنح سيرة الساروت بعداً جديداً؛ إذ بدا وكأن الرجل الذي غاب قبل سنوات كان حاضراً في كل ساحات الفرح التي عمّت البلاد، فالأصوات التي صدحت احتفالاً بالحرية كانت في كثير من الأحيان تستعيد كلماته وأهازيجه، وكأن النشيد الذي وُلد في زمن المحنة عاد ليشارك في صناعة زمن الانتصار.
وهنا نجد أن القيمة الحقيقية التي يمثلّها الساروت اليوم لا تقتصر على كونه رمزاً ثورياً، بل تمتد إلى كونه نموذجاً للشباب السوري القادر على تحويل الحلم إلى مشروع حياة، فجيل الثورة الذي واجه القمع وانتزع الحرية هو نفسه الجيل المدعو اليوم إلى خوض معركة مختلفة؛ معركة البناء والإعمار واستعادة ما دمّرته سنوات الحرب.
وفي ذكرى استشهاده السابعة، يبدو عبد الباسط الساروت أكثر حضوراً من أي وقت مضى، ليس لأنه أصبح جزءاً من الذاكرة فقط، بل لأنه تحوّل إلى جزء من المعنى الذي قامت لأجله الثورة السورية، انتصر الساروت يوم اختار الوقوف مع شعبه، وانتصر يوم ارتقى شهيداً ثابتاً على مبادئه، ثم انتصر مرة أخرى حين انتصرت الثورة التي غنّى لها وقاتل من أجلها.
لذلك فإن ذكراه اليوم ليست مناسبة للحزن بقدر ما هي مناسبة لتجديد العهد بأن الحرية التي رويت بالدماء ستتحوّل إلى نهضة، وأن الأناشيد التي رافقت زمن الثورة ستبقى وقوداً معنوياً لجيل يبني سوريا الجديدة كما حلم بها شهداؤها.
الوطن – أسرة التحرير








