في أسواق الملابس السورية قبيل العيد، لم تعد حركة التسوق تعكس عادة موسمية مرتبطة بالفرح، فبين ازدحام واضح في الأسواق وتراجعٍ في حجم المبيعات، تبدو كسوة العيد اليوم أقرب إلى رحلة بحث اقتصادية معقّدة، تبدأ من المحال التجارية، وتمر عبر متاجر “الأوت ليت”، وتنتهي لدى كثير من الأسر في أسواق الملابس المستعملة “البالة”.
هذا التحوّل في مسار التسوق لم يعد تفصيلاً موسمياً، بل يعكس تغيّراً واضحاً في سلوك الاستهلاك تحت ضغط ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، حيث باتت العائلات السورية تعيد ترتيب أولوياتها بدقة، وتختار خياراتها وفق ما تسمح به الإمكانيات لا ما تفرضه العادات.
أسعار تتقدّم… ودخل يتراجع

في الأسواق السورية، تبدو الفجوة بين الأسعار والدخل اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فوفق تقديرات اقتصادية محلية، ارتفعت أسعار الملابس والأحذية بمعدلات تفوق بكثير نمو الرواتب، التي لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية لأيام قليلة من الشهر.
في جولة لـ”الوطن” داخل الأسواق، يتبين أن تأمين كسوة عيد متوسطة لطفل واحد قد يستهلك جزءاً كبير اً من دخل الأسرة، وخاصة إذا شملت حذاء وقطعة أو قطعتين من الملابس.
أما العائلات التي لديها أكثر من طفل، فتجد نفسها أمام خيارات محدودة، إما الاكتفاء بشراء الحد الأدنى، أو البحث عن بدائل أقل كلفة.
ويقول أحد المتسوّقين: قارن بين أكثر من محل، لكن في النهاية نشتري ما نستطيع فقط، وليس ما نريد.
المحال التجارية… ازدحام بلا مبيعات
رغم الازدحام الذي تشهده الأسواق قبيل العيد، يؤكد التجّار أن الحركة لا تنعكس بالضرورة على حجم المبيعات.
يقول أبو خالد، صاحب محل ألبسة في دمشق: إن الإقبال “مرتفع شكليا”، لكن عمليات الشراء الفعلية أقل بكثير من الظاهر ، موضحاً أن الزبائن باتوا أكثر حذراً في الإنفاق، فمعظم الناس تسأل عن الأسعار أولًا، وكثيرون يغادرون من دون شراء، أو يكتفون بقطعة واحدة.
هذا التغيّر في سلوك المستهلكين دفع بعض المحال إلى الاعتماد على عروض وتنزيلات موسمية مستمرة، في محاولة لتحريك السوق، لكنها تبقى محدودة التأثير أمام تراجع القدرة الشرائية العام.
صعود “الأوت ليت”
مؤخراً ، برزت محال “الأوت ليت” كخيار جديد نسبياً في السوق السورية، حيث تقدّم ملابس جديدة أو شبه جديدة بأسعار أقل من المحال التقليدية، وغالباً ما تعتمد على بضائع مواسم سابقة لماركات أو تصريف مخزون.
هذا النمط التجاري أصبح محطة أساسية في رحلة التسوق، بات يجذب شريحة واسعة من المتسوّقين، وخصوصاً قبل الأعياد، باعتباره حلاً وسطاً بين الجديد المرتفع السعر والمستعمل منخفض الكلفة.
“اللي ماله قديم ماله جديد”
مع استمرار ارتفاع الأسعار، تتجه شريحة متزايدة من السوريين إلى أسواق الملابس المستعملة، المعروفة باسم “البالة”، والتي تشهد ازدحاماً ملحوظاً قبيل العيد.
في هذه الأسواق، لم يعد الأمر مرتبطاً بالفئات الأشد فقراً فقط، بل بات يشمل موظفين وأصحاب دخل متوسط لم تعد رواتبهم تكفي لشراء كسوة جديدة كاملة.
وتشير مشاهدات ميدانية إلى أن كثيراً من العائلات تعتمد على “البالة” لتأمين كسوة الأطفال بشكل أساسي، مع البحث عن قطع شبه جديدة وبحالة جيّدة.
واللافت، حسب حديث أحد الباعة، أن الطلب لم يعد موسمياً فقط، بل أصبح شبه دائم، مضيفا: إن الأسعار داخل هذه الأسواق نفسها شهدت ارتفاعًا نتيجة زيادة الطلب.
تآكل الدخل غيّر الاستهلاك
الخبير الاقتصادي لؤي البني قال: إن تآكل الدخل غيّر شكل الاستهلاك. ويضيف: إن التحولات في أنماط الشراء تعكس بشكل مباشر تآكل القوة الشرائية لدى الأسر السورية، نتيجة ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع بكثير من الدخل.
ويقول البني: إن السوق الاستهلاكية لم تعد تعتمد على الرغبة، بل على القدرة فقط.. مشيراً إلى أن كسوة العيد لم تعد بنداً ثابتاً في ميزانية الأسرة كما كانت سابقاً، بل أصبحت خياراً مرناً يتغير من عام إلى آخر بحسب الظروف.
ويضيف: إن توسّع الاعتماد على “الأوت ليت” و”البالة” يعكس إعادة تشكيل لسلوك الاستهلاك، حيث تبحث الأسر عن التوازن بين الحاجة والقدرة، حتى لو كان ذلك على حساب الجودة أو الكمية.
وهنا نستطيع القول:
بين المحال التجارية و”الأوت ليت” وأسواق “البالة”، يرسم السوريون اليوم خريطة مختلفة تماماً لكسوة العيد، خريطة لا تقودها الرغبة بقدر ما تحكمها الحسابات الاقتصادية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه مع كل موسم جديد:
هل باتت فرحة العيد تُقاس بقدرة العائلات على التكيّف مع الغلاء، أم إن السوق نفسه بحاجة إلى إعادة توازن يعيد لهذه المناسبة شيئاً من بساطتها القديمة؟








