بحث وزير المالية محمد يسر برنية اليوم مع وزير الزراعة باسل السويدان، حزمة من الإجراءات لدعم القطاع الزراعي، تضمنت تمديد سداد القروض الزراعية المتعثرة لمدة ثلاثة أشهر، في إطار متابعة تمديد العمل بالمرسوم رقم 70 لعام 2026، إلى جانب مجموعة من الملفات المالية والتنموية المرتبطة بالقطاع.
التمويل يتجه إلى أدوات الإنتاج
أحد أبرز المسارات المطروحة يتمثل في تعزيز دور المصرف الزراعي التعاوني، عبر توفير قروض ميسرة لتمويل تقنيات الري الحديث والآلات الزراعية والطاقة الشمسية، من خلال إنشاء تسهيل مخصص لهذه الغايات بمشاركة عدد من المؤسسات المالية.
وهذا التوجه يحمل دلالة تتجاوز توفير السيولة للمزارع؛ فالتمويل هنا يستهدف أدوات يمكن أن تخفّض كلفة الإنتاج وترفع كفاءته.
فالانتقال إلى الري الحديث يرتبط بتقليل استهلاك المياه، فيما يمكن لتمويل المكننة أن يخفف من أعباء نقص الآلات، بينما يفتح تمويل الطاقة الشمسية الباب أمام خفض كلفة تشغيل الآبار والمنشآت الزراعية، وهي بنود أصبحت مؤثرة بصورة مباشرة في الجدوى الاقتصادية للموسم الزراعي.
ولا يتوقف المسار عند القروض المصرفية، إذ يجري النظر أيضاً في إمكانية إحداث صندوق للتنمية الزراعية، بالتوازي مع مراجعة أعمال الصناديق الوطنية القائمة، ومنها صندوق دعم الإنتاج الزراعي، وصندوق دعم التحول للري الحديث، وصندوق التخفيف من آثار الجفاف.
والهدف المطروح هو تقييم استمرار هذه الصناديق وتفعيلها ورفع كفاءة تدخلاتها، بما يجعلها جزءاً من منظومة تمويل أكثر ارتباطاً باحتياجات الإنتاج.
ممثل الفلاحين: المطلوب برنامج يتجاوز القروض
ومن موقع أكثر التصاقاً بالمنتج الزراعي، قال ممثل اتحاد الفلاحين بسام الحسين في تصريح لـ”الوطن” إن الاجتماع بين وزارتي المالية والزراعة يمثل خطوة مهمة وإيجابية، ويعكس إدراكاً لحجم التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي.
لكن الحسين أكد أن أهمية الاجتماع ستظهر في قدرته على تحويل مخرجاته إلى قرارات وبرامج تنفيذية واضحة وسريعة وقابلة للقياس، معتبراً أن القطاع الزراعي لم يعد يحتمل تأجيل المعالجات، وإنما يحتاج إلى إرادة حقيقية وتنسيق فعلي بين جميع الجهات المعنية.
وأوضح الحسين أن الفلاح السوري تحمل خلال سنوات الحرب أعباء كبيرة، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة الحصول على مستلزمات زراعية جيدة وبأسعار مناسبة، ونقص المكننة والتقنيات الحديثة، وارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف التمويل، إضافة إلى مشكلات التصنيع والتسويق.
ويرى أن تراكم هذه الضغوط أدى إلى إضعاف القدرة الاقتصادية للفلاح واستنزاف موارده، حتى أصبح استمرار الإنتاج نفسه تحدياً حقيقياً.
وبناءً على ذلك، دعا ممثل اتحاد الفلاحين إلى برنامج وطني متكامل للنهوض بالزراعة، يقوم على توفير قروض ميسرة وطويلة الأجل ومنح مناسبة، بالتوازي مع تأمين مستلزمات إنتاج جيدة، وتطوير المكننة والتكنولوجيا والإرشاد والبحث الزراعي، إلى جانب دعم التصنيع الزراعي والتسويق.
التعاونيات.. تمويل جماعي لصغار المنتجين
ولا يحصر الحسين الحل في التمويل المصرفي، إذ شدد على أهمية تعزيز التعاونيات الإنتاجية، باعتبارها أداة يمكن أن تساعد صغار الفلاحين على تجميع احتياجاتهم وخفض تكاليف الإنتاج والاستفادة المشتركة من الآليات والتقنيات.
وأشار إلى أن دور التعاونيات يمكن أن يمتد إلى التصنيع والتسويق، بما يحسن قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق، بالتوازي مع إشراك القطاع الخاص وتطوير الزراعة التعاقدية ضمن أطر عادلة وشفافة تضمن حقوق المنتج والمستثمر.
وهنا تبرز نقطة أساسية في إعادة بناء التمويل الزراعي: المشكلة ليست دائماً في غياب المال، وإنما في قدرة المنتج الصغير على الوصول إليه والاستفادة منه ضمن نموذج إنتاج وتسويق قابل للاستمرار.
المياه والطاقة.. الوجه الآخر لكلفة الإنتاج
في المقابل، لا يمكن فصل ملف التمويل عن الموارد التي يعتمد عليها الإنتاج نفسه.
وفي هذا الجانب، لفت الحسين إلى ضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها المياه، من خلال التوسع في الري الحديث وترشيد الاستهلاك والحد من الاستنزاف.
كما دعا إلى التوسع في استخدام الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة لتقليل الاعتماد على الديزل والكهرباء، وخفض تكاليف الإنتاج والتلوث، وتعزيز قدرة المزارع على مواجهة الظروف المناخية.
وأكد أهمية تطوير إدارة المياه ومنظومات الري وإدارة المخاطر الزراعية، بما يخفف من الاعتماد على مواسم الأمطار وحدها ويمنح الإنتاج قدرة أكبر على مواجهة التقلبات المناخية.
وهذا الطرح يتقاطع مباشرة مع توجه الوزارتين نحو تمويل الري الحديث والطاقة الشمسية، ما يجعل نجاح هذه الأدوات مرتبطاً بشروط التمويل ومدى قدرتها على الوصول إلى مختلف شرائح المنتجين، ولا سيما صغار المزارعين.
من أصول الدولة إلى مشاريع إنتاجية
وفي مسار موازٍ، يتجه التعاون بين الوزارتين إلى إنشاء قاعدة بيانات لحصر أصول وأملاك الدولة وتصنيفها، بما يتيح دراسة إمكانية الاستفادة منها في إقامة مشاريع زراعية استثمارية.
وتحمل هذه الخطوة بعداً اقتصادياً مهماً، إذ إن حصر الأصول لا يهدف فقط إلى تسجيلها، وإنما يمكن أن يشكل قاعدة لاتخاذ قرارات استثمارية بشأن الأراضي والأملاك القابلة للتوظيف في مشاريع إنتاجية.
وفي حال اقترنت قاعدة البيانات بدراسات جدوى واضحة ونماذج استثمار قابلة للتنفيذ، يمكن أن تتحول هذه الأصول إلى جزء من دورة الإنتاج، وتفتح المجال أمام شراكات جديدة مع المستثمرين والقطاع الخاص.
البحث والبذار والمخابر.. التمويل لا يكفي
وفي الجانب الفني، شملت الملفات المطروحة دعم البحوث الزراعية وإكثار البذار وتطوير المخابر.
وقد تبدو هذه الملفات بعيدة عن قضية التمويل، لكنها ترتبط مباشرة بكفاءة الإنتاج وجودته وقدرته على المنافسة؛ فالقرض لا يعالج وحده ضعف الإنتاجية، كما أن زيادة المساحات المزروعة لا تعني بالضرورة زيادة العائد إذا بقيت أدوات الإنتاج والبحث والبذار والخدمات الفنية دون تطوير.
لذلك، فإن إعادة بناء القطاع الزراعي تتطلب الجمع بين التمويل والاستثمار في المعرفة والتقنية، وليس الفصل بينهما.
التأمين.. حماية للاستثمار الزراعي
ويأتي تطوير منظومة التأمين الزراعي ضمن الملفات التي جرى بحثها، مع الاستفادة من التجارب الدولية.
وتبرز أهمية هذا المسار في أن المخاطر الزراعية لا تتوقف عند ارتفاع التكاليف، بل تشمل أيضاً الجفاف والتقلبات المناخية وغيرها من العوامل التي يمكن أن تحول الموسم الزراعي إلى خسارة كاملة.
ومن هنا، فإن التأمين الزراعي يمكن أن يشكل حلقة مكملة للتمويل، عبر توزيع جزء من المخاطر وحماية المزارع والممول معاً.
كما طرح تخصيص الاعتمادات اللازمة لتدريب المزارعين ضمن مبادرة “سورية بلا مخيمات”، بهدف مساعدة الأسر على العودة إلى أراضيها واستثمارها، مع إيلاء اهتمام خاص للمحافظات الشرقية ووضع الخطط التنفيذية اللازمة.
فالعودة إلى الأرض لا تتحول تلقائياً إلى عودة للإنتاج؛ إذ تحتاج الأسرة إلى التمويل والمعرفة والمستلزمات والخدمات التي تسمح لها بتحويل الأرض إلى مصدر دخل مستدام.
الشركات الزراعية أمام إعادة تقييم
وفي جانب آخر، تناول التعاون بين الوزارتين الشركات والمؤسسات الزراعية ذات الطابع الاقتصادي، مع التركيز على تقوية حوكمتها، ومراجعة واقع الشركات الاتحادية الزراعية وتحديد الدور الذي يمكن أن تؤديه مستقبلاً.
ويفتح هذا الملف نقاشاً أوسع حول دور المؤسسات الزراعية الاقتصادية وقدرتها على الانتقال من أدوار تقليدية إلى أدوار إنتاجية واستثمارية أكثر فاعلية، بما ينسجم مع إعادة هيكلة القطاع وتوسيع قاعدة الاستثمار فيه.
الاتحاد: المشاركة يجب ألا تكون شكلية
وفي الجانب المؤسسي، أكد الحسين أن الاتحاد العام للفلاحين يجب أن يكون شريكاً أساسياً في جميع الاجتماعات واللجان التي تتناول شؤون الفلاحين والقطاع الزراعي، باعتباره الجهة الأقرب إلى واقع المزارعين واحتياجاتهم ومشكلاتهم.
وشدد على أن مشاركة الاتحاد في صناعة القرار الزراعي ينبغي أن تكون مؤسسية وفاعلة وليست شكلية، بما يضمن، بحسب رأيه، أن تستند القرارات إلى الواقع الفعلي للمزارعين.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في مرحلة يجري فيها بحث أدوات تمويل وبرامج جديدة، لأن نجاح أي سياسة زراعية لا يتحدد فقط بحجم الأموال المرصودة، وإنما بمدى ملاءمتها لطبيعة العمل الزراعي وقدرة المزارع على الوصول إليها والاستفادة منها.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الاجتماع
في المحصلة، لا يبدو أن الملف المطروح بين المالية والزراعة يقتصر على تمديد قروض أو إنشاء أدوات تمويل جديدة، بل يتجه – إذا ما اكتملت خطواته التنفيذية – نحو إعادة النظر في عدد من حلقات الاقتصاد الزراعي دفعة واحدة: التمويل، المكننة، الري، الطاقة، التأمين، المياه، الأراضي، البحث العلمي، التصنيع والتسويق والمؤسسات الزراعية.
وهذه المقاربة هي ما يحتاجه القطاع فعلياً؛ لأن معالجة القرض المتعثر قد تمنح الفلاح وقتاً إضافياً، لكنها لا تعيد بالضرورة قدرته على الإنتاج.
أما التحدي الأكبر، فيبقى في تحويل هذه العناوين إلى برامج تصل إلى الأرض، وشروط تمويل يستطيع الفلاح تحملها، وتقنيات تخفض تكلفة الإنتاج، وأسواق تستوعب المنتج.
عندها فقط يمكن أن ينتقل دعم الزراعة من إدارة آثار الأزمة إلى بناء اقتصاد زراعي أكثر قدرة على الاستمرار.






