المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“المركزي” يرحب بمنحة البنك الدولي: دعم لإصلاح القطاع المالي ومسار التعافي

‫شارك على:‬
20

رحب مصرف سوريا المركزي باعتماد مجلس المديرين التنفيذيين في البنك الدولي منحة غير مستردة بقيمة 100 مليون دولار مقدمة من المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، لدعم مشروع تحديث القطاع المالي في سوريا، معتبراً أن هذا الاعتماد يمثل دعماً مهماً لجهود تطوير القطاع المالي وتعزيز بنيته المؤسسية والتقنية، بما يخدم أولويات التعافي الاقتصادي ويعزز قدرته على مواكبة أفضل الممارسات الدولية.

وأوضح المصرف في بيان له أن المشروع يهدف إلى إرساء أسس لقطاع مالي حديث وآمن يعتمد على التكنولوجيا الرقمية، من خلال تطوير البنية التحتية المالية والائتمانية، ودعم أنظمة المدفوعات والأسواق المالية، وتعزيز الشمول المالي.

كما يتضمن المشروع رفع كفاءة منظومة الرقابة والنزاهة المالية وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، من خلال الاستثمار في الأنظمة والأجهزة والأدوات التحليلية، وتطوير تطبيقات التكنولوجيا الرقابية، وتعزيز القدرات المؤسسية لوحدة التحريات المالية، بما يسهم في ترسيخ بيئة مالية أكثر موثوقية وشفافية.

وأشار مصرف سوريا المركزي إلى أن اعتماد البنك الدولي للمشروع يأتي دعماً لرؤيته في بناء قطاع مالي ومصرفي حديث ومتطور، وتسريع تنفيذ مسار التحديث المؤسسي، بما يعزز جاهزية القطاع المالي لمواكبة المعايير الدولية ويدعم اندماجه الفاعل في النظام المالي العالمي.

منحة بلا فوائد… لكن بشروط

وأوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم لـ”الوطن” أن المنحة غير قابلة للسداد ولا تحمل فوائد أو رسوم خدمة، باعتبار أن سورية مصنفة ضمن الدول عالية المخاطر في إطار الدين لدى المؤسسة الدولية للتنمية، وهي الفئة التي تحصل على 100% من مخصصاتها كمنح وليس كقروض.

وأشار إلى أن الكلفة الوحيدة لهذه المنحة تتمثل في استهلاكها من سقف مخصصات سوريا المستقبلية، من خلال خصم حجمي نسبته 20%، إضافة إلى كونها مشروطة عملياً باستمرار الإصلاحات.

ويستهدف المشروع تفعيل الأنظمة الأساسية للقطاع المالي، وتمكين ما لا يقل عن 15 مليون عملية دفع إلكترونية بالتجزئة سنوياً، ودعم 500 ألف شخص وشركة، من بينهم 150 ألف امرأة، في اعتماد الدفع الرقمي، إلى جانب إجراء مراجعات مستقلة لجودة أصول المصارف العامة والخاصة، وتعزيز الرقابة القائمة على المخاطر، ورفع قدرات المصرف المركزي ووحدة جمع المعلومات المالية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

لماذا حصلت سورية على المنحة الآن؟

وبيّن عبد الكريم أن أسباب الحصول على المنحة ترتبط بثلاثة تطورات رئيسة، أولها سداد السعودية وقطر متأخرات سورية في أيار 2025، وهو ما أعاد أهليتها بعد تعليق دام 14 عاماً.

أما التطور الثاني فيتمثل في اجتياز سورية مراجعة البنك الدولي لإجراءات الأداء والسياسات للسنة المالية 2026، ولا سيما في ملفات استدامة الدين وإدارته وشفافيته.

ويرتبط السبب الثالث بحجم التزامات البنك الدولي القائمة تجاه سورية، إذ التزم البنك بنحو 491 مليون دولار لمشاريع في البلاد، منها 146 مليون دولار للكهرباء و20 مليون دولار للمالية العامة و225 مليون دولار للمياه والصحة، في حين لا يمكن صرف هذه الأموال بكفاءة عبر جهاز مصرفي معطل.

فجوة إعادة إعمار هائلة

وتكشف أرقام القطاع المصرفي حجم الفجوة التي تواجهها سورية، إذ تتراوح موجودات الجهاز المصرفي السوري بأكمله بين 4 و5 مليارات دولار، منها 1.6 مليار دولار ودائع عالقة في لبنان، بينما لا تتجاوز حقوق الملكية في المنظومة بأكملها 795 مليون دولار، أي ما يعادل 0.37% فقط من كلفة إعادة الإعمار المقدرة بنحو 216 مليار دولار.

ولفت عبد الكريم إلى أن صندوق النقد الدولي وصف الجهاز المصرفي بأنه مختل الأداء ويقيّد السياسة النقدية بشدة، رغم توقعه نمواً بخانتين لسورية خلال عام 2026.

وفي الوقت نفسه، انخفض التضخم من 72.1% في عام 2024 إلى 11.5% في 2025، قبل أن يعود إلى الارتفاع خلال 2026 بفعل أسعار الوقود والغذاء المستوردة وزيادات الأجور.

المواطن قد يشعر بالفرق قبل المصارف

وأوضح عبد الكريم أن انعكاسات إصلاح القطاع المالي يمكن أن تصل مباشرة إلى الأسعار ودخل الأسر، مشيراً إلى عدم وجود مصرف سوري اليوم بعلاقة مراسلة عاملة مع مصرف دولي كبير، فضلاً عن غياب الاعتمادات المستندية للمستوردين، ما يضيف بين 5% و10% إلى كلفة الاستيراد، وهي كلفة تنتهي في سعر الصرف الذي يدفعه المستهلك.

وأضاف أن تحويلات المغتربين تمر حالياً عبر قنوات غير رسمية تتراوح كلفتها بين 5% و15%، ما يعني أن كل 100 دولار تصل إلى المستفيد ناقصة بين 5 و15 دولاراً.

ويرى أن إصلاح المنظومة المالية يمكن أن يخفض هذه الكلفة إلى ما بين 1% و3%، وهو ما يمثل تحسناً مباشراً في دخل الأسر من دون الحاجة إلى أي زيادة في الإنتاج.

ويضاف إلى ذلك خفض كلفة الاقتصاد النقدي، بعدما بلغ حجم النقد المصدر 42 تريليون ليرة قديمة مقابل تريليون واحد في عام 2011، بالتوازي مع خطة لنشر 50 ألف جهاز نقاط بيع قبل نهاية 2026، بعد السماح بالعمل مع فيزا وماستركارد.

المنحة رخصة دخول

وختم عبد الكريم بأن هذه المنحة ليست منحة مالية بالمعنى التقليدي بقدر ما تمثل رخصة دخول مشروطة إلى النظام المالي الدولي، موضحاً أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في مبلغها، إذ إن 100 مليون دولار تبقى أقل من فجوة رأس المال المصرفي المتوقعة، وإنما في تمويل الإصلاح المؤسسي الذي يفتح الباب أمام رأس المال الخاص.

وأشار إلى أن تقديرات السوق تفيد بأن ضخ ودائع تتراوح بين 20 و30 مليون دولار قد يكون كفيلاً بإعادة تنشيط جزء معتبر من الجهاز المصرفي، نظراً إلى صغر حجمه.

لكن الطريق لن يكون سهلاً، إذ حذر عبد الكريم من أن مراجعة جودة الأصول ستكشف على الأرجح عن حالات إعسار في مصارف بعينها، وقد تفرض قرارات دمج أو تصفية مؤلمة.

كما أن الخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي قد يستغرق سنوات، ويتطلب تشريعات نافذة وزيارة ميدانية، وليس مجرد إعلان نوايا.

وأكد أن المعيار الحقيقي لنجاح المشروع لا يتمثل في صرف الـ100 مليون دولار، وإنما في فتح أول علاقة مراسلة تجارية حقيقية وإصدار أول اعتماد مستندي من مصرف سوري.

وعندها فقط، وفق عبد الكريم، تتحول المنحة من بند محاسبي إلى تحول اقتصادي.