كثيرة هي الدلالات التي يعكسها انعقاد منتدى الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا في بروكسل، وما قيل فيه وعلى هامشه من المسؤولين في كل من سوريا و”الاتحاد”، لتتبلور من خلاله أولى المؤشرات، وهي أن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا تقف على أعتاب مرحلة مختلفة، تتجاوز سنوات الجمود والقطيعة التي فرضتها الأوضاع الداخلية في سوريا، وتعقيدات المشهد الإقليمي والدولي منذ عام 2011.
من المؤكد أن المنتدى يتجاوز سياق الحدث البروتوكولي العابر، أو اللقاء الدبلوماسي التقليدي، ليدلل على إرادة متبادلة لفتح صفحة جديدة، قوامها الحوار والتعاون والمصالح المشتركة، ليطرح كل ذلك سؤال، يعتقد الكثير أنه من الصعب تجاوز طرحه، وهو هل هذه الخطوة تستطيع فعلاً إعادة سوريا إلى السياسة الأوروبية بشكل مستدام، أم أنها مجرد إشارة رمزية، تحتاج إلى الكثير من القدرة للوصول إلى التغيير الملموس؟
ما خرج عن المنتدى حتى الآن يعكس تحولا تدريجياً في المقاربة الأوروبية تجاه سوريا، خاصة بعد سنوات من تركيز السياسات الأوروبية على إدارة الأزمة وتداعياتها الإنسانية والأمنية، لتؤكد تصريحات المسؤولين الأوروبيين أن ثمة إدراكاً متزايداً داخل المؤسسات الأوروبية بأن استقرار شرق المتوسط لا يمكن تحقيقه من دون سوريا مستقرة وقادرة على استعادة دورها الطبيعي في محيطها الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويسا أهمية خاصة، عندما أكدت خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية أسعد الشيباني على هامش المنتدى اليوم الإثنين، أن سوريا من أهم دول شرق المتوسط، وأن إعادة إعمارها تتطلب عملاً جماعياً نظراً إلى ضخامة الاحتياجات وحجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب، فهذا الكلام لا يحمل بعداً اقتصادياً فحسب، بل يعكس أيضاً فهماً أوروبياً متنامياً بأن إعادة بناء سوريا ليست مسؤولية سورية وحدها، وإنما مصلحة إقليمية ودولية مشتركة.
ومن الواضح أن الاتحاد الأوروبي بدأ يقرأ المتغيرات الجديدة في المنطقة بواقعية أكبر، فعودة سوريا التدريجية إلى محيطها العربي، والانفتاح السياسي المتزايد عليها، إضافة إلى الحاجة الأوروبية لتعزيز الاستقرار في المتوسط، كلها عوامل تدفع نحو إعادة النظر في آليات التعاون السابقة، وهو ما بدا جلياً في أولى القرارات الأوروبية بإعادة تطبيق اتفاقية التعاون بين “الاتحاد” وسوريا بشكل كامل، والمجمّدة منذ عام 2011.
هل يعني أن انعقاد المنتدى وإدراك كل طرف لأهمية الطرف الآخر، هو نهاية الأمر، وأن جميع المعوقات قد تم تذليلها، وما بعد المنتدى غير ما قبله؟ الأمور ليست بهذه البساطة، بمعنى الطريق بحاجة للكثير من التمهيد، والتعافي السوري يحتاج إلى وقت، كما أشارت المفوضة الأوروبية، لأن حجم التحديات الاقتصادية والخدمية والمعيشية يفوق قدرة أي طرف منفرد، لكن الأهم اليوم هو وجود إرادة سياسية للانتقال من منطق العزل إلى منطق الشراكة، ومن إدارة الأزمة إلى البحث عن حلول مستدامة.
من نافلة القول إن نجاح هذه المرحلة يتطلب خطوات عملية متبادلة، تبدأ بتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والإنساني والتنموي، وتمّ بتشجيع الاستثمارات والمشاريع الحيوية، وصولاً إلى إعادة إدماج سوريا بشكل طبيعي في السياسة الأوروبية والمتوسطية، إذ إن الجغرافيا والمصالح المشتركة تؤكدان أن العلاقة بين دمشق وبروكسل ليست طارئة، بل علاقة استراتيجية فرضها التاريخ والموقع والدور.
الوطن – أسرة التحرير







