مع انتهاء مهلة استبدال العملة الوطنية، تتجه الأنظار إلى المرحلة التالية، مرحلة التقييم، التي ستحدد ما إذا كانت هذه الخطوة ستبقى إجراءً فنياً أم ستتحول إلى نقطة انطلاق لإصلاح اقتصادي أوسع ينعكس على حياة المواطنين.
الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أكد أن انتهاء مهلة استبدال العملة يمثل إغلاقاً لفصل تقني من الفوضى النقدية، وبدايةً لمرحلة الامتحان الحقيقي للاقتصاد السوري، ويعتبر أن نجاح هذه العملية لا يُقاس بعدد الأوراق النقدية التي جرى استبدالها، بل بقدرتها على استعادة الثقة بالليرة السورية وإعادة بناء دورة نقدية سليمة، متسائلاً: هل سيستكمل هذا الإنجاز الإجرائي بإصلاحات تنعكس فعلياً على حياة المواطن؟
ويرى محمد أن المعيار الأول لنجاح عملية استبدال العملة يتمثل في استقرار سعر الصرف، باعتباره المؤشر الآني الأهم، موضحاً أن المقياس الحقيقي هو تقلص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية بصورة مستدامة، لأن أي اتساع سريع لهذه الفجوة يعني فشل احتواء التوقعات.

ويضيف أن المؤشر الثاني يتمثل في تراجع معدلات التضخم، إذ إن نجاح استقرار سعر الصرف ينبغي أن ينعكس سريعاً على تباطؤ ملموس في ارتفاع الأسعار، باعتبار أن هذا هو المؤشر الأكثر ارتباطاً بمعيشة المواطن وقوته الشرائية اليومية.
أما المؤشر الثالث، فيتمثل بعودة الودائع إلى المصارف، حيث يؤكد أن إعلان مصرف سورية المركزي، بشفافية، دخول الكتلة النقدية المستبدلة إلى القطاع المصرفي سيكون دليلاً على نجاح حقيقي للعملية، في حين أن استبدال العملة مع بقائها خارج المصارف يعني أن ما حدث لم يتجاوز تغيير شكل الورقة النقدية.
كيف يتحول الإنجاز النقدي إلى تحسن معيشي؟
ويؤكد محمد أن المواطن لن يشعر بتحسن حقيقي ما لم تترافق عملية استبدال العملة مع ثلاث سياسات عاجلة، تبدأ بالتوقف عن تمويل العجز عبر طباعة العملة، معتبراً أن التزام مصرف سورية المركزي بعدم إصدار الليرة لتمويل الحكومة يشكل حجر الزاوية في استقرار الأسعار.
كما يرى أن إعادة هيكلة الدعم وتحويله إلى دعم نقدي مباشر يصل إلى مستحقيه من شأنه أن يرفع الدخل الحقيقي للأسر ويحد من الهدر في الأسواق، إلى جانب ضرورة توجيه الإقراض نحو القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعات الصغيرة، لما لذلك من دور في خلق فرص العمل وزيادة الدخل، بدلاً من التوسع في القروض الاستهلاكية التي تؤدي إلى ضغوط تضخمية إضافية.
المخاطر والأولويات في المرحلة المقبلة
ويحذر الدكتور محمد من أن أكبر المخاطر التي قد تواجه الاقتصاد السوري في حال غياب إصلاحات أوسع تتمثل في تضخم مكبوت قد ينفجر بصورة جامحة، أو في تعمق ظاهرة الدولرة بما يفقد مصرف سورية المركزي قدرته على السيطرة على السياسة النقدية.
ويشدد على أن الأولوية الأولى تتمثل في اعتماد الشفافية المطلقة من خلال إعلان نتائج عملية استبدال العملة ونشر المؤشرات النقدية بصورة دورية، لما لذلك من دور في مواجهة الشائعات وتعزيز المصداقية.
كما يؤكد أهمية إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي عبر ضمان سرية الحسابات وتطوير الخدمات المصرفية الحديثة، بما يمنع تحول الودائع الجديدة إلى موجة سحب عند أول أزمة، إلى جانب البدء الفوري بإصلاح مؤسسات الدولة الاقتصادية، وفي مقدمتها مصرف سورية المركزي نفسه.
ويخلص أستاذ التمويل والمصارف إلى أن استبدال العملة لم يكن سوى إصلاح للطبقة الجليدية الرقيقة التي تطفو فوق بحر عميق من انعدام الثقة، مؤكداً أن هذا الجليد لن يصمد طويلاً فوق أمواج العجز المالي والفساد.
ويرى أن الخطر الأكبر يكمن في الاحتفاء بعملية استبدال العملة باعتبارها إنجازاً منفصلاً، في وقت تبقى فيه الأسباب الحقيقية لتآكل قيمة الليرة السورية من دون معالجة، مشيراً إلى أن الامتحان الحقيقي يبدأ الآن بالإجابة عن السؤال الأهم: هل تمثل هذه الخطوة بداية لاستبدال حقيقي لأسس الاقتصاد السوري، أم أنها لا تتجاوز تبديل الوجه النقدي للأزمة الاقتصادية؟








