لم يكن العيد في سوريا خلال سنوات حكم النظام البائد مناسبة للفرح بقدر ما كان موسماً إضافياً للخوف والقلق والترقّب، فبينما كانت شعوب العالم الإسلامي تستقبل تكبيرات العيد بالطمأنينة والسكينة، كان السوريون يستقبلونها على وقع أصوات الطائرات والبراميل المتفجرة وصافرات الإسعاف وأخبار المجازر والاعتقالات.
كما كانت صلاة العيد نفسها تتحوّل في كثير من المدن والبلدات إلى مغامرة محفوفة بالموت، وكان الانتقال بين الأحياء أو المحافظات يحتاج إلى حسابات أمنية معقّدة خشية المرور على الحواجز أو التعرّض للاعتقال والإهانة أو الاختفاء القسري.
وعلى امتداد سنوات الثورة، نجح النظام البائد في تجريد السوريين من أبسط المعاني الإنسانية المرتبطة بالعيد، إذ لم يكن الألم مقتصراً على الفقر أو النزوح أو الدمار، بل تعدّاه إلى تحطيم الشعور الجمعي بالأمان والروحانية والألفة الاجتماعية، فكم من عائلة كانت تستيقظ صباح العيد على خبر استشهاد أحد أبنائها تحت القصف، وكم من أمٍّ كانت تخفي دموعها أمام أطفالها كي لا تفسد عليهم فرحة العيد، فيما قلبها معلّق بابن مفقود في السجون أو مُعتقل لا تعرف عنه شيئاً منذ سنوات.

ولم يكن السوريون يخشون الموت فقط، بل كانوا يخشون حتى إظهار الفرح، ففي كثير من المناطق، ارتبطت الحواجز الأمنية بالابتزاز والإذلال والتضييق على الأهالي، وتحوّلت بعض مظاهر التديّن والروحانيات إلى مساحة مستهدفة بالتشكيك أو القمع أو السخرية، في وقت كانت فيه المدن المحاصرة تعيش أعياداً بلا خبز ولا كهرباء ولا ألعاب أطفال، فيما كان القصف يقتحم البيوت والأسواق والمساجد بلا رحمة.
أما اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد والتحرير الذي أعاد للسوريين جزءاً كبيراً من كرامتهم المهدورة، فإن العيد عاد ليشبه معناه الحقيقي، عادت تكبيرات العيد لتُُسمع بوصفها نداءً للفرح لا إنذاراً بالموت، وعادت ساحات المدن والمساجد تمتلئ بالمصلّين الذين يؤدون الصلاة بلا خوف من طائرة أو قذيفة أو حاجز أمني، والأهم أن السوريين عادوا يشعرون بأنهم يعيشون العيد حقيقةً لا مجرد طقس شكلي يختبئ خلفه الحزن والرعب.
وفي هذا الصدد، حملت مشاهد العيد هذا العام في دمشق وحلب وإدلب وطرطوس وغيرها من المدن السورية دلالات سياسية واجتماعية عميقة، فاجتماع العائلات بعد سنوات التهجير، وعودة الأطفال إلى الألعاب والساحات، وامتلاء الأسواق بالمارة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، كلها مؤشّرات إلى أن المجتمع السوري بدأ يستعيد عافيته النفسية والإنسانية قبل أي شيء آخر.
ومن أكثر الصور تعبيراً عن التحوّل الذي تعيشه البلاد، ظهور عناصر الجيش والأجهزة الشرطية وهم يوزّعون الحلوى على الأطفال والمصلّين ويؤمّنون الحماية للناس خلال صلاة العيد، في مشهد لم يكن السوريون يتخيلونه قبل سنتين فقط، فالعلاقة التي كانت قائمة سابقاً على الخوف والرعب والإذلال، بدأت تتحوّل تدريجياً إلى علاقة حماية وخدمة عامة، وهو تحوّل بالغ الأهمية في وعي الناس وشعورهم بالدولة.
ورغم أن الأزمات الاقتصادية لا تزال تضغط بقسوة على السوريين، ومشاهد الدمار والمخيّمات لم تختفِ بعد، إلا أن الفارق الجوهري اليوم يتمثّل في وجود الأمل، فالسوري الذي كان يعيش العيد تحت القصف والحصار والموت، بات اليوم يعيش على وعد المستقبل وإمكانية التعافي وإعادة البناء، وحتى الأطفال الذين كبروا في المخيّمات وبين الأنقاض، صاروا يجدون مساحة للضحك واللعب والحلم، بعدما كانت الحرب تسرق منهم طفولتهم عاماً بعد عام.
الوطن – أسرة التحرير








