المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“تجارة دمشق” تطرح السؤال الأصعب: هل مؤسساتنا جاهزة للتحوّل الرقمي؟

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

لم يعد التحوّل الرقمي مجرد انتقال من الورق إلى الأنظمة الإلكترونية، بل أصبح مرتبطاً بإعادة بناء طريقة عمل المؤسسات نفسها، فقبل شراء الأنظمة والمنصّات الرقمية، يبرز سؤال أكثر أهمية: هل تم تصميم الإجراءات الإدارية بالشكل الذي يجعلها قابلة للتحوّل؟

من هنا طرحت ندوة «هندسة الإدارة وإعادة هندسة إجراءات العمل» التي أقامتها غرفة تجارة دمشق، وقدّمها الدكتور إياد زوكار، أهمية إعادة التفكير في آليات العمل داخل المؤسسات، باعتبارها الخطوة الأولى نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة ومرونة في عصر التحوّل الرقمي.

وأكدت الندوة أن التكنولوجيا ليست نقطة البداية، وأن إدخال أنظمة مثل ERP قبل دراسة واقع المؤسسة قد يؤدي إلى رقمنة إجراءات قديمة ومعقّدة بدلاً من تطويرها، مشدّدة على أن المرحلة الأولى يجب أن تكون تشخيص العمليات الحالية، وتحديد ما يحتاج إلى تحسين وما يحتاج إلى إعادة تصميم كامل.

من الأرشفة إلى التحوّل الحقيقي

ناقش المشاركون واقع التحوّل الرقمي، مشيرين إلى أن جزءاً كبيراً من المبادرات الحالية يتركّز على الأرشفة الإلكترونية، بينما التحوّل الحقيقي يتطلب تغييراً أعمق يمس طريقة اتخاذ القرار، وتسلسل الإجراءات، وآليات تقديم الخدمات.

فالتحوّل الرقمي لا يعني فقط حفظ الملفات إلكترونياً، بل يعني بناء مؤسسة تعمل بطريقة مختلفة، تعتمد على إجراءات واضحة وبيانات دقيقة وخدمات أكثر سرعة وكفاءة.

توحيد الإجراءات قبل توحيد الأنظمة

يعتبر أحد أبرز التحدّيات التي طُرحت خلال الندوة، وهو اختلاف الإجراءات والسجلات بين المؤسسات، ما يجعل عملية الربط الرقمي لاحقاً أكثر صعوبة.

وأشار المشاركون إلى أن بناء منصّات منفصلة لكل جهة من دون وجود إطار موحّد قد يؤدي إلى ظهور جزر رقمية غير مترابطة، لذلك تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية تحدّد المعايير والمنهجيات التي تعمل وفقها المؤسسات.

وأكدت المداخلات أهمية وجود جهة تقود هذا المسار وتكون بمثابة “مايسترو” للتحوّل، مهمتها توحيد أدوات هندسة العمليات وتطوير الخدمات، بما يضمن تحرك المؤسسات باتجاه واحد.

هل نحتاج إلى ERP وطني؟

ناقشت الندوة مستقبل أنظمة إدارة الموارد ERP، حيث طُرحت فكرة تطوير نواة لنظام محلي يتناسب مع احتياجات المؤسسات السورية، من خلال شراكة بين القطاعين العام والخاص، والاستفادة من قدرات شركات البرمجيات المحلية.

لكن النقاش أكد أن بناء أي نظام وطني لا يجب أن يكون الخطوة الأولى، بل نتيجة لمسار يبدأ بفهم الاحتياجات الفعلية للمؤسسات وإعادة هندسة إجراءاتها، فالبرنامج مهما كان متطوّراً لن يحل مشكلة مؤسسة لم تعالج طريقة عملها الداخلية.

إدارة التغيير

رغم أهمية التكنولوجيا، اعتبر المشاركون أن التحدّي الأكبر يبقى في العنصر البشري، إذ إن أي تغيير في طريقة العمل يواجه عادة مقاومة من الموظفين.

وأوضحوا أن نجاح مشاريع التحوّل يحتاج إلى إدارة تغيير تبدأ قبل إطلاق المشروع، عبر التواصل مع العاملين، وشرح أهداف التحوّل، وتدريبهم على الأنظمة الجديدة، لأن كلفة التحوّل لا ترتبط بالبرمجيات فقط، بل إن جانباً كبيراً منها يتعلق بالتأهيل والتغيير المؤسسي.

البيانات والكفاءات

كما ركّزت الندوة على أهمية البيانات باعتبارها أساس أي مشروع رقمي ناجح، مشيرةً إلى أن غياب قواعد بيانات دقيقة عن الموارد البشرية والاختصاصات والقدرات الوطنية يحدّ من القدرة على التخطيط والاستثمار الأمثل بالكفاءات.

وأكد المشاركون أن سوريا تمتلك طاقات بشرية قادرة على المساهمة في هذا المسار، سواء في البرمجيات أم الإدارة أو تحليل العمليات، وأن المطلوب هو دمج هذه الخبرات ضمن استراتيجية وطنية واضحة.

القطاع الخاص شريك

ولم يقتصر النقاش على دور الحكومة، بل أكد المشاركون أهمية مساهمة القطاع الخاص في التحوّل، عبر تطوير أنظمته الإدارية وتبنّي ثقافة تحسين الإجراءات، بما يساعد لاحقاً في بناء نموذج أكثر تكاملاً بين القطاعين العام والخاص.

كما أُشير إلى أن الإدارة أصبحت جزءاً من جودة المنتج والقدرة التنافسية، إذ إن المؤسسات التي تمتلك إدارة أكثر كفاءة تكون أكثر قدرة على التطوير والمنافسة.

وخلصت الندوة إلى أن التحوّل الرقمي لا يبدأ من شراء التكنولوجيا، بل من إعادة هندسة الإدارة فالمسار الأكثر واقعية يبدأ من بناء الوعي، وتشخيص المؤسسات، وتوحيد الإجراءات والبيانات، وإدارة التغيير، ثم الانتقال إلى اختيار المنصّات والأنظمة المناسبة. فالرقمنة لا تصلح لمؤسسة لا تزال تعمل بعقلية قديمة، بينما تصبح التكنولوجيا أداة تغيير حقيقية عندما تأتي بعد إصلاح الإدارة.