المزيد

‫آخر الأخبار:‬

سيولة مفقودة.. وجفاف “شام كاش” يكشف مفارقة الليرة

‫شارك على:‬
20

تلقّت «الوطن» شكاوى واسعة من المواطنين حول امتناع معظم شركات الصرافة في دمشق عن صرف أرصدتهم في تطبيق «شام كاش»، في وقت اتجهت فيه شركات أخرى لاستغلال الأزمة وفرض عمولات مرتفعة تراوحت بين 250 و400 ليرة سورية عن كل 10 آلاف ليرة.

وفي جولة ميدانية أجرتها «الوطن» للوقوف على أسباب الأزمة، اعتذرت عدة شركات عن تقديم الخدمة بذريعة تعطل الربط الإلكتروني مع مصرف سورية المركزي، معلنة أن عمليات السحب تقتصر حالياً على مراكز البريد واستمرت شركتين بتقدم الخدمة عبر فروعهما.

مصادر خاصة في السوق كشفت لـ «الوطن» عن السبب الحقيقي خلف التوقف، مرجحة أن يكون نقص السيولة لدى مصرف سورية المركزي أحد أسباب التوقف، وذلك بالتوازي مع توجهه لتطبيق آلية جديدة تهدف إلى تنظيم العمل بصورة أكبر.

وأوضحت المصادر أن عمليات السحب النقدي الخاصة بالشركات من المركزي توقفت منذ يوم الخميس الماضي، باستثناء كميات محدودة جداً، ما أدى إلى تراكم ضخم في الحسابات والطلبات لدى معظم المكاتب، الأمر الذي دفعها إلى إيقاف دعم الخدمة وتجميد الصرف لعدم توافر الكاش البديل، بانتظار انتهاء هذا الإجراء الذي يُفترض أنه فترة مؤقتة.

تضخم بلا سيولة

وفي قراءة اقتصادية للمشهد، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن سوريا تعيش واحدة من أكثر الأزمات النقدية تعقيداً في تاريخها الحديث، حيث تتجاور ظاهرتان تبدوان متناقضتين للوهلة الأولى، هما تضخم مرتفع يلتهم القدرة الشرائية، وسيولة منخفضة تعجز عن تحريك الدورة الاقتصادية.

واعتبر قوشجي أن التناقض الحالي ليس حالة عابرة، وإنما نتيجة تراكمات بنيوية في الاقتصاد السوري، وتحولات في سلوك السوق، وصعود قنوات مالية جديدة مثل “شام كاش” التي أعادت تشكيل حركة النقد خارج الجهاز المصرفي التقليدي.

ولفت إلى أنه في الاقتصادات المستقرة يرتبط التضخم عادة بزيادة السيولة في السوق، لكن التضخم اليوم هو تضخم تكاليف وليس تضخم طلب، فالأسعار ترتفع بسبب ضعف الإنتاج المحلي وتراجع الطاقة التشغيلية للمصانع، وارتفاع تكاليف الاستيراد بفعل تدهور سعر الصرف خلال السنوات الماضية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والمواد الأولية، والاحتكار والمضاربة في السلع الأساسية.

وهذه العوامل، وفق قوشجي، تجعل الأسعار ترتفع حتى لو كانت السيولة المتداولة قليلة جداً، فالمواطن لا يشتري أكثر، بل يشتري أقل، لكنه يدفع سعراً أعلى، وهكذا يتآكل دخله من دون أن تتوسع الكتلة النقدية في السوق.

لماذا انكمشت السيولة؟

يربط قوشجي انخفاض السيولة المتداولة في السوق بعدة عوامل، في مقدمتها ضعف الجهاز المصرفي، إذ فقدت المصارف السورية دورها الطبيعي كوسيط مالي نتيجة القيود على السحب والإيداع، وانعدام الثقة، وتوقف الإقراض تقريباً، ما جعل النقد يخرج من المصارف ليستقر في البيوت أو لدى المضاربين.

كما ساهم تراجع الإنفاق الحكومي في تقليص السيولة، إذ كان الإنفاق الحكومي تاريخياً أحد أهم مصادر ضخ السيولة، ومع تقلص الرواتب الفعلية اذ جاءت زيادات لكنها كانت أقل من أسعار سلة السلع، الى جانب تراجع المناقصات وانكماش نشاط المؤسسات، انخفضت كمية الليرة التي تدخل السوق يومياً.

ويشير كذلك إلى احتجاز النقد لدى المضاربين، حيث خلقت المضاربة على الليرة والدولار جيوباً نقدية خارج التداول، ما زاد الضغط على السيولة المتاحة، بالتوازي مع انخفاض القدرة الشرائية التي دفعت المواطنين إلى تقليص الاستهلاك، فتراجعت حركة النقد اليومية وانكمشت الدورة الاقتصادية.

«شام كاش».. قناة مالية موازية

وفي ظل هذا الانكماش، يرى أنه برز «شام كاش» كأحد أهم التحولات في المشهد النقدي السوري، إذ لم يعد التطبيق مجرد وسيلة دفع إلكتروني، وإنما أصبح نظاماً مالياً صغيراً يتحرك داخله جزءاً معتبراً من السيولة.

ويشرح أن الأموال عندما تدخل إلى «شام كاش» تبقى داخل التطبيق وتنتقل بين المستخدمين، لكنها لا تعود إلى المصارف، وهكذا تتشكل دورة نقدية رقمية منفصلة عن الدورة الرسمية.

ويرى أن التطبيق يسهّل التحويلات والدفع ويخفف حاجة الناس إلى النقد الورقي، لكنه في المقابل يقلل الإيداعات المصرفية، ويضعف قدرة المصارف على الإقراض، ويعمق انفصال السيولة عن الجهاز المالي الرسمي.

وبمعنى آخر، فإن شام كاش يحرّك السيولة، لكنه يحرّكها، وفق توصيف قوشجي، في المكان الخطأ بالنسبة للاقتصاد الكلي.

مفارقة نقدية تضغط على الاقتصاد

ويخلص قوشجي إلى أن سورية تعيش اليوم حالة مركبة، تتمثل في تضخم مرتفع ناتج عن ضعف الإنتاج وتدهور سعر الصرف، وليس عن وفرة السيولة، إلى جانب سيولة منخفضة بسبب ضعف المصارف وتراجع الإنفاق واحتجاز النقد وانكماش القدرة الشرائية، فضلاً عن وجود قنوات مالية موازية مثل شام كاش تعيد توزيع السيولة خارج النظام المصرفي، فتخفف الأزمة اليومية لكنها تعمق الأزمة البنيوية.

وتدفع هذه العناصر مجتمعة، حسب قوشجي، الاقتصاد السوري إلى العمل بطاقة نقدية أقل من حاجته، لتظهر مفارقة نادرة تتمثل في عملة منخفضة القيمة رغم ندرتها في السوق.