المزيد

‫آخر الأخبار:‬

وزير المالية يبحث مع «بنك أوف أميركا» فرص التعاون وإعادة اندماج سوريا مالياً

‫شارك على:‬
20

في الوقت الذي تكثف فيه سوريا جهودها لإعادة بناء القطاع المالي وتعزيز علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية، ويأتي ضمن ذلك الاجتماع الافتراضي الذي عقده وزير المالية محمد يسر برنية مع فريق من كبار المديرين في بنك أوف أميركا كإشارة جديدة إلى اهتمام المؤسسات المالية العالمية بالسوق السورية، ومحاولة لاستكشاف مسارات التعاون الممكنة في مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

وأوضح وزير المالية خلال الاجتماع التزام سوريا الراسخ بإعادة بناء قطاع مالي قوي وشفاف ومتوافق مع المعايير الدولية، ولا سيما في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما أن المناقشات اتسمت بالإيجابية، حيث أبدى مسؤولو البنك رغبتهم في زيارة سوريا ومواصلة الحوار وبحث آفاق التعاون خلال المرحلة المقبلة.

الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة يرى أن الاجتماع يمثل إشارة بالغة الدلالة في ظل إعادة الإعمار الاقتصادي والسياسي لسورية، موضحاً أن قراءته تحتاج إلى النظر إليه من ثلاث زوايا تتمثل في الرسالة السياسية والاقتصادية والرمزية، والتحديات الجوهرية، ثم الفرص المحتملة والسيناريوهات المستقبلية.

رسالة إلى الداخل والخارج

وأكد محمد أن الاجتماع يمكن اعتباره بالون اختبار ورسالة موجهة إلى أكثر من طرف، فعلى المستوى الداخلي، تؤكد الحكومة الجديدة أنها تسير باتجاه كسب الشرعية الدولية وكسر العزلة المالية، وأن مؤسسات عالمية كبرى، وليس فقط مؤسسات إقليمية، بدأت تتعامل مع سوريا بجدية، وهو ما يعزز الروح المعنوية ويعطي المواطن مؤشراً إلى وجود مسار للتعافي الاقتصادي.

أما على مستوى المجتمع الدولي والجهات المانحة، فتظهر سوريا استعدادها للامتثال للمعايير الدولية، وفي مقدمتها مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، باعتبارها مطلباً أساسياً لأي انخراط مالي.

ويرى محمد أن حضور اسم بنك أوف أميركا تحديداً يحمل رسالة قوية إلى واشنطن وبروكسل بأن القطاع الخاص الأميركي مهتم بالسوق السورية، وهو ما قد يخلق ضغطاً باتجاه تخفيف العقوبات، وبالنسبة إلى المؤسسات المالية العالمية الأخرى، ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإن هذا الاجتماع يمكن أن يمهد الطريق، إذ إن الانخراط المصرفي الخاص غالباً ما يكون مؤشراً يسبق أو يرافق عودة العلاقات مع مؤسسات بريتون وودز.

طريق طويل تحكمه العقوبات

ورغم إيجابية الخطوة، يرى محمد أن الواقع على الأرض لا يزال بالغ التعقيد، وأن الطريق أمام سوريا طويل ومحفوف بالمخاطر.

ويتمثل التحدي الأكبر، بحسب محمد، في التركة المعقدة للعقوبات الأميركية والأوروبية المتشعبة، وليس قانون قيصر وحده، فبنك أوف أميركا، كأي كيان أميركي، مقيد بشكل صارم من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، ولا يمكنه تقديم خدمات مصرفية مباشرة أو فتح اعتمادات أو تسهيل تحويلات بالدولار من دون ترخيص خاص، وهو أمر شبه مستحيل حالياً في ظل عدم وجود تسوية سياسية شاملة واعتراف دولي كامل.

إلى جانب ذلك، تواجه سوريا تحدي إعادة بناء النظام المالي من الصفر تقريباً، ويشير تأكيد وزير المالية على بناء قطاع مالي قوي وشفاف إلى الاعتراف ضمنياً بأن القطاع الحالي لا يرقى إلى المعايير الدولية.

إصلاح مصرفي وقانوني يحتاج إلى سنوات

وأوضح محمد أن التحديات تشمل الجهاز المصرفي الحكومي المتهالك، حيث تعاني مصارف مثل المصرف التجاري السوري من خسائر متراكمة ومحافظ ائتمانية متعثرة وأنظمة تكنولوجيا معلومات متقادمة وغياب للحوكمة، كما تحتاج سورية إلى تحديث البيئة القانونية والتنظيمية، بما في ذلك تحديث قانون المصارف وقانون الاستثمار، وإنشاء محاكم تجارية متخصصة، وتطبيق معايير بازل 3، وهي عملية تستغرق سنوات.

ويضاف إلى ذلك تحدي الشفافية والفساد، إذ إن إعادة بناء الثقة تحتاج، وفق محمد، إلى معالجة جذرية للفساد المستشري الذي كان سمة ملازمة للاقتصاد السوري لعقود، مشيراً  إلى أن سيطرة جهات متعددة على الموارد والاقتصاد غير الرسمي وتهريب العملة والأموال تمثل تحدياً أمنياً وسياسياً قبل أن تكون مالياً، موضحاً أن بنك أوف أميركا لا يستطيع المخاطرة بسمعته من خلال التعامل مع نظام مالي مخترق يمكن استخدامه في أنشطة غير مشروعة، وهو ما يمثل جوهر قوانين الامتثال.

التعاون يبدأ من الاستشارات

ويرى محمد أن التعاون في المرحلة الحالية لن يكون من خلال الخدمات المصرفية التقليدية، وإنما يمكن أن يبدأ من مجالات أكثر واقعية، وفي مقدمتها الخدمات الاستشارية.

وأوضح أن بنك “أوف أميركا” يمكن أن يقدّم استشارات فنية للحكومة ومصرف سوريا المركزي حول كيفية بناء إطار فعّال لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي الحكومي وإعداد ملفات الخصخصة أو الشراكات المستقبلية، إلى جانب بناء سوق للأوراق المالية الحكومية ووضع آلية لإدارة الدين العام.

كما يمكن مناقشة خريطة طريق تقنية لتأهيل مصرف سوري أو أكثر ليكون مؤهّلاً مستقبلاً لفتح حسابات مراسلة بالدولار لدى بنوك عالمية، باعتبارها الشريان الأساسي لأي تعامل تجاري دولي، وهو ما يتطلب تدقيقاً خارجياً صارماً ونظافة مالية كاملة.

التحضير لمرحلة ما بعد العقوبات

ويرى محمد أن بنك “أوف أميركا” يمكن أن يؤدي أيضاً دور المستكشف لمجتمع الأعمال الأميركي، من خلال دراسة السوق السورية وتقييم الفرص في قطاعات استراتيجية، مثل الطاقة وإعادة الإعمار، وتقديم صورة لمجلس إدارته عن الجدوى المستقبلية للاستثمار في سوريا.

وفي هذا السياق، فإن الاجتماع يمكن أن يشكّل بداية عملية للتحضير لمرحلة ما بعد العقوبات، من خلال بناء المعرفة بالسوق وتحديد الفرص والمخاطر قبل الانتقال إلى التعاون المصرفي الفعلي.

جس نبض وليس تعاوناً فعلياً

ووصف محمد الاجتماع بأنه جسّ نبض استراتيجي وبداية حوار ذكي، وليس بداية تعاون فعلي، موضحاً أن بنك “أوف أميركا” لا يتخذ قراراته بناء على لقاء واحد، وإنما على تقييم شامل للمخاطر السياسية والقانونية والمتعلّقة بالسمعة.

ورأى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثّل في مسار تدريجي طويل ومشروط، بحيث تقدّم الإدارة السورية الجديدة إثباتات جدية من خلال خطوات ملموسة على صعيد الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد، في حين يراقب العالم، وبنك “أوف أميركا” تحديداً، هذه الخطوات.

وفي حال تُرجمت هذه الالتزامات إلى واقع، فقد تشهد سوريا خلال الأشهر الـ12 إلى الـ24 المقبلة انخراطاً من خلال الخدمات الاستشارية ودراسة السوق، على أمل أن يتزامن ذلك مع تقدّم في المسار السياسي يؤدي إلى تخفيف حقيقي للعقوبات، لينتقل التعاون بعدها إلى المرحلة المصرفية الفعلية.

وختم محمد بالقول: إن الإشارة إيجابية جداً، وهي بمثابة ضوء أخضر للبدء بإجراء الدراسات المعمقة حول السوق السورية، لكنه شدّد على عدم توقّع حدوث تدفّقات مالية عبر القنوات المصرفية الرسمية الدولية في المدى المنظور.

وأكد أن المرحلة الحالية هي مرحلة بناء أسس وجسور، وليست مرحلة عبور بعد.