استهلكت سوريا خلال عام 2025 نحو 8 ملايين طن من الإسمنت، مقابل إنتاج محلي لم يتجاوز 3 ملايين طن، ما جعل الواردات تغطي قرابة 5 ملايين طن من احتياجات السوق، أي نحو 62.5% من الاستهلاك، مقابل 37.5% للإنتاج المحلي.
ويكشف هذا الرقم حجم الفجوة التي تواجه صناعة الإسمنت، لكنه في الوقت نفسه يبرز حجم السوق المتاحة أمام الاستثمار، خصوصاً مع توسع أعمال إعادة الإعمار والبنية التحتية والإسكان والمنشآت الخدمية والصناعية. جاء ذلك خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد في فندق غولدن المزة بدمشق، برعاية وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية والصناعة، الخاص بصناعة الإسمنت والمجبول البيتوني.
من استكشاف السوق إلى الاستثمار
مدير عام إحدى شركات الإسمنت ومواد البناء في سوريا جبرائيل الأشهب أكد أن أهمية المؤتمر والمعرض تتجاوز عرض المنتجات والمعدات، لتشمل جمع الشركات والمؤسسات المتخصصة وفتح المجال أمام العلاقات التجارية والصفقات والشراكات.
وتشهد دورة 2026 مشاركة شركات من الصين وألمانيا والهند والإمارات والسعودية والأردن ومصر والعراق وتركيا، إلى جانب شركات سورية من دمشق وريف دمشق وحمص وحلب واللاذقية وطرطوس.
وأشار الأشهب إلى أن بعض الشركات بدأت فعلياً بالنظر إلى السوق السورية، ومنها من دخل عبر التوريد وتقديم الخدمات، فيما لا يزال بعضها في مرحلة الاستكشاف.
وأوضح أن شركات عالمية تمتلك خبرات متخصصة في تجهيزات خطوط إنتاج الإسمنت، بينما أصبحت الشركات الصينية لاعباً رئيساً في إنشاء المعامل بكلف أكثر تنافسية.
وتعطي التجربة السابقة مؤشراً على إمكانية تحول الاهتمام إلى مشاريع، إذ شهد مؤتمر 2025 توقيع مذكرة تفاهم مع شركة صينية لإنشاء مصنع إسمنت في أبو الشامات بطاقة إنتاجية تقارب 1.17 مليون طن سنوياً.
فجوة إنتاجية تفتح باب الاستثمار
الاستيراد يستطيع سد حاجة السوق سريعاً، لكنه لا ينهي الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. ومع توقع ارتفاع الطلب خلال إعادة الإعمار، تبرز الحاجة إلى تأهيل المعامل القائمة وزيادة طاقتها، وإنشاء خطوط ومشاريع جديدة.
ولا يتعلق الأمر بزيادة الإنتاج فقط، إذ يحتاج القطاع إلى تحديث المعامل القديمة، وخفض استهلاك الطاقة، وإدخال التقنيات الحديثة، والاستفادة من التحول الرقمي في إدارة وتشغيل خطوط الإنتاج.
الإسمنت الأخضر والطاقة البديلة
وأكد فواز عبد الله من لجنة صناعة الإسمنت أن الاستثمارات المستقبلية تتجه نحو تقنيات الإسمنت الأخضر وخفض الانبعاثات.
وأوضح أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تنتج جزئياً عن عملية تصنيع الإسمنت، وجزئياً عن مصادر الطاقة المستخدمة في تشغيل المعامل، ما يطرح أهمية الاستفادة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وإعادة تأهيل المعامل بتقنيات أكثر كفاءة.
وأشار المشاركون إلى إمكانية إنتاج نحو 26 نوعاً من الإسمنت وفق المواصفات السورية، بما يتيح تطوير منتجات أكثر تخصصاً.
المجبول البيتوني.. الجودة والسلامة
وفي صناعة المجبول البيتوني، أشار عبد الله إلى مشكلة استخدام الجبالات اليدوية التقليدية، ولا سيما في بعض الأبنية الطابقية، وما يرافق ذلك من صعوبة في ضمان المواصفات المطلوبة.
وطرح تأسيس اتحاد لمجابل البيتون بهدف تنظيم الصناعة ورفع الجودة، بالتوازي مع تعزيز الرقابة الفنية والالتزام بالمواصفات.
التكنولوجيا تحتاج إلى كوادر
ويبقى إدخال التكنولوجيا والاستثمارات مرتبطاً بتوفر الخبرات الفنية، إذ تحتاج الصناعة الحديثة إلى اختصاصات قد لا تكون متوافرة بالقدر الكافي محلياً، ما يجعل الاستعانة بخبرات خارجية متوقعة في المرحلة الأولى، بالتوازي مع تدريب وتأهيل العمالة السورية.
وبذلك يمكن للاستثمار الأجنبي أن يتحول إلى قناة لنقل التكنولوجيا والخبرة والمعرفة، وليس مجرد تمويل أو توريد معدات.
الـ 8 ملايين طن.. حجم سوق وفرصة
لا يمكن أن تكون أهمية أي معرض بعدد الشركات والدول المشاركة فقط، وإنما بما يمكن أن ينتج عنها من عقود وتوريدات وشراكات واستثمارات ونقل للتكنولوجيا.
فالفجوة البالغة نحو 5 ملايين طن تعكس في الوقت نفسه حاجة السوق وفرصة الاستثمار. وإذا نجحت سوريا في زيادة الإنتاج المحلي وتأهيل معاملها واستقطاب الاستثمارات وتحديث التكنولوجيا وتطوير الكوادر، فإن 8 ملايين طن من الاستهلاك السنوي يمكن أن تكون نقطة انطلاق لصناعة إسمنت أكثر قدرة على تلبية احتياجات السوق والمشاركة في إعادة الإعمار.









