المزيد

‫آخر الأخبار:‬

تفتّت الحيازات.. مشكلة مؤجلة تهدّد الريف والأمن الغذائي

‫شارك على:‬
20

 لم تعد مشكلة تفتّت الحيازات الزراعية في سوريا قضية مرتبطة بالملكية والإرث فقط، بل تحوّلت مع مرور العقود إلى مشكلة إنتاجية واقتصادية تهدّد قدرة الريف على الاحتفاظ بسكانه وقدرة الزراعة على تأمين الغذاء وفرص العمل، فالأرض التي تتفتّت بين الورثة إلى قطع صغيرة ومتباعدة تصبح أقل قدرة على استيعاب المكننة والري الحديث وأعلى كلفة في الإنتاج، ومع تراجع الاستثمار والنزوح وارتفاع تكاليف الزراعة خرجت مساحات من دائرة الإنتاج أو أصبحت تُستثمر بصورة محدودة.

أرقام قديمة

المشكلة ليست جديدة فقد أظهرت بيانات التعداد الزراعي التي وثّقتها منظّمة الأغذية والزراعة أن عدد الحائزين الزراعيين في سوريا ارتفع من نحو 485 ألفاً عام 1981 إلى نحو 614 ألفاً عام 1994، بينما لم يتغير إجمالي الأراضي القابلة للزراعة بصورة كبيرة، وفي تعداد 1994 كانت أكثر من 200 ألف حيازة تقل مساحتها عن هكتارين، ورغم قدم هذه البيانات فإنها تكشف مساراً ظل يتراكم لعقود، وهو زيادة عدد الحيازات وتراجع متوسط المساحات، بما يجعل معالجة المشكلة اليوم أكثر إلحاحاً.

الحرب ضاعفت المشكلة

ويرى العديد من المتابعين للقطاع الزراعي أن سنوات الحرب جاءت لتضيف إلى التفتّت عوامل جديدة تمثّلت بالنزوح والتهجير وفقدان أصحاب الأراضي وتراجع المكننة والاستثمار وتضرّر شبكات الري وارتفاع تكاليف الإنتاج، وأصبحت بعض الحيازات تُدار من قبل ورثة أو أقارب أو مستأجرين بينما بقيت مساحات أخرى خارج الاستثمار، وهنا تتشكّل دائرة خطرة، حيازة صغيرة تعني كلفة أعلى وإنتاجاً أقل ودخلاً أضعف واستثماراً أقل، ثم هجرة أكبر من الريف ونقصاً في اليد العاملة الزراعية ومزيداً من تراجع الإنتاج، لذلك فإن استمرار هذه المشكلة يعني أن آثارها لن تتوقف عند القطاع الزراعي بل ستصل إلى البطالة والهجرة والأمن الغذائي والطلب على الاستيراد.

حماية الإنتاج

الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر الحسين يرى أن سوريا أمام فرصة لإعادة النظر في منظومة القوانين الناظمة للملكية والاستثمار الزراعي، مؤكداً في تصريح لـ”الوطن” أن معالجة مشكلات الأراضي يجب أن تبدأ من الواقع الميداني، ومن المشكلات المتراكمة لدى الفلاحين منذ أكثر من 60 عاماً، وهذا يعني أن أي إصلاح جديد يجب ألا ينطلق من تغيير ملكية الفلاحين، بل من رفع كفاءة استثمارها.
فيمكن الحفاظ على الملكية الفردية مع تجميع الاستثمار بصورة طوعية من خلال التعاونيات أو التأجير المنظّم أو وحدات الإنتاج المشتركة.
كما يمكن إنشاء شركات متخصّصة تقدّم خدمات الحراثة والحصاد والري والمكننة لصغار المزارعين بدلاً من تحميل كل مزارع كلفة امتلاك المعدّات.
والخطوة الأهم هي إطلاق مسح وطني حديث للحيازات الزراعية ورقمنة بيانات الملكية والحيازة والاستثمار لمعرفة حجم الأراضي المستثمرة فعلياً وتحديد المساحات التي خرجت من الإنتاج وأسباب ذلك.

تجارب دولية

كما بيّن الحسين أن دولاً مثل هولندا وألمانيا والصين لم تعالج المشكلة عبر مصادرة الملكيات، بل عبر إعادة تنظيم استخدام الأرض وتطوير التعاونيات وشركات الخدمات الزراعية وتحسين البنية التحتية.
وتظهر هذه التجارب أن صغر الملكية لا يعني بالضرورة ضعف الإنتاجية إذا استطاع أصحاب الحيازات الصغيرة تجميع قدرتهم على الشراء والمكننة والإنتاج والتخزين والتسويق.
وعليه يرى أن هذا هو الدرس الأهم الذي لابدّ أن نستفيد منه، وليس المطلوب تجميع ملكيات الفلاحين قسراً بل تجميع قدرتهم على الإنتاج طوعاً.

إنذار مبكر للريف

تفتٍت الحيازات اليوم يحتاج إلى التعامل معه باعتباره ملفاً اقتصادياً وتنموياً وليس مجرد ملف عقاري، فالريف الذي يفقد قدرته على تحقيق دخل مستقر يفقد سكانه تدريجياً، والشباب الذي لا يجد فرصة في الزراعة يبحث عن المدينة أو الهجرة.
وفي المقابل فإن إعادة الأراضي المتروكة إلى الإنتاج يمكن أن تخلق فرص عمل وتخفض تكاليف الإنتاج وتعزّز الصناعات المرتبطة بالزراعة وتخفّف الضغط عن الاستيراد.
المطلوب الآن ليس قانوناً جديداً يُضاف إلى قوانين قديمة بل إصلاحاً ينزل إلى الأرض ويستمع إلى الفلاح ويحدّد أسباب خروج الأرض من الإنتاج ثم يبني الحل على أساسها، فإذا كانت سوريا تريد استعادة الزراعة لدورها في الاقتصاد، فإن معالجة تفتّت الحيازات يجب أن تكون جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء الريف، لأن الخطر لا يكمن فقط بأن تصبح الحيازة أصغر، بل بأن تصبح الأرض موجودة على الورق وخارج الإنتاج في الواقع.