المزيد

‫آخر الأخبار:‬

شح نقد أم بداية انضباط؟

‫شارك على:‬
20

في وقت يواجه فيه المواطن صعوبة متزايدة في الحصول على النقد من بعض شركات الصرافة وتطبيقات الدفع تبدو ظاهرة سقوف السحب وتعذر الصرف للوهلة الأولى مشكلة نقدية تعطل الحياة اليومية وتزيد القلق في السوق إلا أن قراءة اقتصادية مختلفة ترى في هذه الظاهرة مؤشراً إلى تحول أعمق في إدارة السيولة ومحاولة للحد من الكتلة النقدية المتداولة خارج القنوات المنظمة.

الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة يرى في تصريح لـ الوطن أن صعوبة الحصول على النقد ليست بالضرورة مؤشراً إلى انهيار نقدي بل يمكن قراءتها باعتبارها جزءاً من مرحلة إعادة هيكلة لنظام نقدي أنهكته سنوات من الاختلال.

أزمة سيولة

حسب محمد فإن عدم الصرف أو تحديد سقوف السحب في شركات الصرافة وتطبيقات الدفع لا ينبغي النظر إليه فقط كأزمة سيولة عابرة إذ يمكن أن يتحول إلى آلية للحد من سرعة دوران النقد وتقليص قدرة المضاربين على ضخ طلبات كبيرة ومفاجئة على القطع الأجنبي.

ويرى أن تراجع السيولة النقدية المتاحة في التداول يمكن أن يخفف مؤقتاً من الضغط على سوق الصرف عبر الحد من الأموال التي تتحول بسرعة إلى طلب على الدولار والعملات الأجنبية لكن هذه النتيجة تبقى مرتبطة بطريقة إدارة الظاهرة ومدى وضوح أسبابها بالنسبة للمواطن والسوق.

حماية السوق وإرباك المواطن

فرض سقوف على السحب قد يحد من الطلب النقدي ويعيد جزءا من السيولة إلى قنوات أكثر قابلية للرقابة إلا أن هذه السياسة تحمل في المقابل كلفة مباشرة على المتعاملين إذا لم تكن مبررة وواضحة ومؤقتة، فالسوق لا يحتاج فقط إلى تقليص السيولة بل يحتاج إلى الثقة بأن أموال المواطنين متاحة عند الحاجة وأن القيود لا تتحول إلى واقع دائم، ومن هنا تصبح إدارة السيولة اختبارا للسياسة النقدية بقدر ما هي أداة لضبطها.

الشام كاش واختبار الاقتصاد الرقمي

يرى محمد أن بقاء أرصدة العملاء رقمياً في تطبيقات الدفع رغم صعوبة الحصول على مقابلها النقدي يسلط الضوء على تحول مهم في طبيعة النقود نفسها، فالقيمة لم تعد مرتبطة بالورقة النقدية فقط وإنما أصبحت قادرة على الانتقال إلكترونياً عبر منظومة دفع يمكن تتبعها وتنظيمها بصورة أكبر، وهذا التحول يمكن أن يشكل فرصة لتقليص الاعتماد على الكاش وتوسيع الدفع الإلكتروني إذا ترافق مع بنية مصرفية موثوقة وضمانات واضحة لحماية أموال العملاء.

المشكلة ليست في الكاش وحده

لكن الانتقال إلى اقتصاد أقل اعتماداً على النقد لا يمكن أن يتم بمجرد تقليل السحب كما يبين محمد فالدفع الإلكتروني يحتاج إلى ثقة واستقرار في قيمة العملة وتوافر الخدمات وقبول واسع لدى التجار والمستهلكين.

كما أن تقليص السيولة المتاحة لا يعالج وحده أسباب التضخم أو ضعف سعر الصرف ما لم يترافق مع زيادة الإنتاج وتحسين إدارة المالية العامة وضبط الأسواق وتعزيز الثقة بالليرة لكن الاختبار الحقيقي يبقى هل تستطيع الإجراءات الحالية أن تتحول من قيود مؤقتة على السيولة إلى منظومة نقدية أكثر انضباطا دون أن تتحول إلى عبء على النشاط الاقتصادي.

 تجفيف السيولة

يؤكد محمد أن سياسة تجفيف السيولة التي تحدث بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر شركات الصرافة وتطبيقات الدفع يمكن أن تشكل فرصة لضبط سعر الصرف وكسر جزء من الحلقة التضخمية إذا أديرت ضمن استراتيجية نقدية واضحة.

ويرى أن التحدي أمام المصرف المركزي يتمثل في تحويل الإجراءات الدفاعية المؤقتة إلى سياسة نقدية أكثر استدامة تقوم على تنظيم السيولة وتعزيز الدفع الإلكتروني وإعادة بناء الثقة بالليرة، فالهدف لا ينبغي أن يكون جعل النقد نادراً بحد ذاته وإنما جعل استخدام الليرة أكثر كفاءة وأقل ارتباطاً بالمضاربة.

وفي الخلاصة شح النقد قد يكون مؤشراً إلى أزمة وقد يكون في ظروف أخرى جزءاً من عملية إعادة تنظيم نقدي لكن الفرق بين الحالتين تحدده السياسة التي تقف خلفه ودرجة الشفافية في إدارتها، وإذا كانت سوريا تتجه فعلاً نحو اقتصاد نقدي أكثر انضباطاً فإن التحدي لا يكمن في تقليل الأوراق المتداولة فقط بل في بناء نظام يجعل المواطن قادراً على الوصول إلى أمواله بثقة ويجد في الدفع الإلكتروني بديلاً حقيقياً عن الكاش، فالمطلوب في النهاية ليس تجفيف السيولة وإنما تجفيف مصادر المضاربة وبناء الثقة بالليرة، وعندها فقط يمكن أن يتحول الألم النقدي المؤقت إلى خطوة في طريق إصلاح نقدي حقيقي.

مواضيع: