المزيد

‫آخر الأخبار:‬

حرب اليمن.. من معارك على القرى إلى ورقة في صراع هرمز وباب المندب

‫شارك على:‬
20

ربما لا يختلف اثنان على أن الجولة الحالية من المعارك التي تدور على الأرض اليمنية ليست من أجل الأرض وحدها، إذ تبدو الجغرافيا أكثر أهمية من عدد القرى التي تنتقل من يد إلى أخرى، فالمحاور التي اشتعلت في غرب تعز وجنوب الحديدة والساحل الممتد باتجاه المخا تقع في المساحة التي تقود جغرافيا وعسكريا، إلى باب المندب الممر البحري الذي يحول اليمن من ساحة حرب داخلية إلى ورقة في صراع إقليمي ودولي على الطاقة والملاحة.

مراقبون يرون أن أهمية المعارك الحالية التي تدور بين الجيش اليمني وميليشا “الحوثي” تكمن في أن السيطرة على مناطق الصراع، لا تعني فقط تغيير ميزان القوى داخل اليمن، وإنما تمنح الطرف المتقدم قدرة أكبر على التأثير في أمن الملاحة، حيث إن الممرات البحرية لا تحتاج إلى إغلاق كامل حتى تتحول إلى ورقة ضغط، إذ يكفي امتلاك القدرة على تهديد السفن أو رفع كلفة التأمين والنقل أو خلق حالة من عدم اليقين تدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها.

ارتفاع القيمة الاستراتيجية لباب المندب، إنما هو نتاج تطورات الحرب الأميركية- الإيرانية، ومعارك ناقلات النفط التي بدأت بالأمس بين الطرفين، والاضطراب المتزايد حول مضيق هرمز، ومن هذا المنطلق لا يمكن فصل الهجوم الحوثي المتجدد باتجاه غرب تعز وجنوب الحديدة والمناطق القريبة من المخا عن معادلة أن من يسيطر على الساحل الغربي يملك قدرة أكبر على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وهنا يظهر الدور الإيراني بصورة أكثر وضوحاً في المشهد الحالي لليمن، ففي الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة الضغط على إيران عبر العقوبات والحصار والعمليات العسكرية، أصبحت طهران معنية بإظهار أن الضغط على إيران لن يبقى محصوراً داخل الخليج، وأنه يمكن توسيع كلفة الحرب جغرافياً، هرمز من جهة وباب المندب من جهة أخرى، وبينهما شبكة من الجماعات والقوى المسلحة التي تستطيع استهداف المصالح الأميركية والسعودية والإقليمية.

وفي هذا السياق تشير تقارير حديثة إلى أن إيران عملت على توسيع شبكة من الجماعات المسلحة المرتبطة بها، بما في ذلك الحوثيون وميليشيات عراقية، بهدف زيادة الضغط على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج ومناطق الطاقة.

يؤكد المراقبون أن نجاح القوات الحكومية اليمنية في استعادة المواقع المتقدمة ودفع الحوثيين بعيداً عن تعز والساحل الغربي والمناطق المحيطة بالمخا، سيحمل دلالة تتجاوز المكسب الميداني المباشر، حيث إن بقاء باب المندب مفتوحاً وآمناً نسبياً يمكن أن يخفف من الأثر الاستراتيجي لتهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز. مشيرين الى أنه كلما حافظت القوات الحكومية على مواقعها وأبعدت الحوثيين عن المخا والممرات المؤدية إلى باب المندب، تراجعت قدرة طهران وحلفائها على ربط الممرين البحريين في معادلة ضغط واحدة، منوهين بأن استمرار حركة السفن عبر باب المندب يوفر، ولو جزئياً، منفذاً بديلاً أمام التجارة والطاقة، ويحد من قدرة إيران على استخدام إغلاق هرمز وباب المندب معا كأداة لخنق حركة الملاحة ورفع كلفة الأزمة على الأسواق العالمية.

لا تبدو معركة الساحل الغربي اليمني منفصلة عن الخريطة الأكبر للصراع الإقليمي، فكلما اقتربت المعارك من المخا وباب المندب، تراجعت إمكانية التعامل معها باعتبارها جبهة يمنية داخلية فقط، وبرزت بوصفها نقطة تماس في صراع يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

وإذا ما نجحت القوات الحكومية في تثبيت مواقعها وإبعاد الحوثيين عن الساحل والممرات المؤدية إلى باب المندب، فإن الأمر سيتجاوز المكسب العسكري، ليشكل أثراً استراتيجياً على حسابات طهران وقدرتها على جمع مضيق هرمز وباب المندب ضمن ورقة ضغط واحدة.

أسرة التحرير