في وقت تواجه فيه الدولة السورية ملفات قضائية خارجية قد تمس أصولها السيادية ومقدرتها على التحرك المالي مستقبلاً، يكتسب تشكيل لجنة متخصصة لمتابعة هذه القضايا أهمية تتجاوز الجانب القانوني إلى أبعاد اقتصادية واستراتيجية، ولاسيما مع الحاجة إلى حماية الأصول وضمان قدرة الاقتصاد السوري على التعافي وإعادة الاندماج في النظام المالي الدولي.
الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحميد صباغ أوضح لـالوطن” أن اللقاء الوزاري حول المنازعات القضائية الخارجية وحماية الأصول السيادية السورية يأتي في مرحلة بالغة الحساسية بالنسبة للدولة السورية، في ظل التحديات القانونية الدولية المتعددة.
وبيّن صباغ أن أهمية الاجتماع يمكن قراءتها على عدة مستويات، في مقدمتها البعد المؤسسي، إذ إن تشكيل لجنة بهذا المستوى من التمثيل، والتي تضم إدارة قضايا الدولة ورئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية والمغتربين ووزارة المالية ومصرف سورية المركزي، يعكس إدراكاً لخطورة الملفات القانونية الخارجية، ويمثل في الوقت نفسه نقلة نوعية في منهجية التعامل معها.
وأوضح أن وجود خمس جهات سيادية في لجنة واحدة يعالج إشكالية التشتت التي عانت منها الملفات القانونية سابقاً، حيث كانت كل جهة تتحرك بشكل منفصل، فيما يمنح إشراك رئاسة الجمهورية اللجنة ثقلاً سياسياً وقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية تتجاوز البيروقراطية الوزارية أما دور مصرف سورية المركزي، فهو أساسي في الملفات المتعلقة بتجميد الأصول والعقوبات المالية والتحويلات الدولية.
تهديد الأصول السورية في الخارج
ويرى صباغ أن القضايا الخارجية تمثل تهديداً وجودياً للأصول السورية في الخارج، معتقداً بوجود أحكام قضائية سابقة لمطالبات خارجية ولا يكمن الخطر، وفق رأيه، في الأحكام وحدها، وإنما في قدرة الدائنين على تتبع الأصول وتنفيذ الأحكام عليها، ولاسيما في ولايات قضائية تسمح بذلك كالولايات المتحدة وكندا وبعض الدول الأوروبية.
ويشير إلى أن كل حكم قضائي يصدر يمكن أن يشكل سابقة قانونية تسهل على مدعين آخرين رفع قضايا مماثلة، ما قد يخلق موجة من المطالبات المالية.
انعكاسات على إعادة الإعمار والاستثمار
ويضيف صباغ أن أي محاولة لتمويل إعادة الإعمار عبر المؤسسات الدولية أو الأسواق المالية ستصطدم بالملفات القضائية المعلقة، في حين أن الدفاع الفعال عن الحصانة السيادية لا يحمي الأصول الحالية فحسب، بل يجعل أي استثمارات مستقبلية في سورية أكثر جاذبية، لأن المستثمرين يخشون من بيئة قانونية غير مستقرة، كما يمكن للقضايا الخارجية أن تعقد أي معاملات مالية دولية مستقبلية، حتى الإنسانية منها، بسبب مخاطر الحجز على التحويلات.
وعلى مستوى الثقة الاقتصادية، فإن وجود لجنة متخصصة يعطي، بحسب صباغ، إشارة للقطاع الخاص المحلي بأن الدولة تأخذ ملفاتها القانونية بجدية، بما يعزز الثقة في المنظومة الاقتصادية، كما يوجه رسالة إلى الشركاء الدوليين المحتملين بأن هناك مساراً منظماً للتعامل مع الإشكاليات القانونية، وليس فوضى مؤسسية.
ما الأصول المهددة؟
ويشير صباغ إلى أن الأصول السيادية السورية في الخارج تشمل عقارات دبلوماسية من سفارات وقنصليات ومقرات بعثات، وأرصدة مصرفية في بنوك أوروبية وعربية وآسيوية، واستثمارات مالية من سندات وأسهم وودائع، إضافة إلى ممتلكات شركات مملوكة للدولة.
ويرى أن التركيز على المسار القانوني بالتوازي مع المسار الدبلوماسي يعكس فهماً صحيحاً لطبيعة المعركة، إذ يمكن الدفع بالحصانة السيادية باعتبارها أقوى الأسلحة القانونية المتاحة، لكنها تتطلب تمثيلاً قانونياً متخصصاً في كل ولاية قضائية على حدة.
كما يمكن الطعن في الاختصاص القضائي، خاصة في القضايا المرفوعة أمام محاكم أمريكية بموجب قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” وما شابهه، إلى جانب التفاوض بهدف التسوية وإمكانية التوصل إلى تسويات مع بعض الدائنين بشروط أفضل من الأحكام الغيابية، فضلاً عن إدارة الأصول بشكل وقائي ونقلها من الولايات القضائية الأكثر خطورة إلى أخرى أكثر أماناً.
فجوات تحتاج إلى معالجة
ويلفت صباغ إلى وجود بعض العناصر الأساسية التي لم ترد في البيان، وفي مقدمتها عدم ذكر ميزانية مخصصة، إذ إن الدفاع القانوني في المحاكم الدولية مكلف جداً ويتطلب ميزانيات كبيرة لمكاتب محاماة دولية.
كما يشير إلى غياب الإطار الزمني، فالقضايا الدولية قد تستغرق سنوات، واللجنة تحتاج إلى آلية عمل مستدامة وليست جهداً آنياً، فضلاً عن التحدي التنفيذي، إذ حتى مع صدور أحكام لصالح سورية قد تواجه صعوبة في التنفيذ الفعلي لاسترداد الأصول.
القانون والسياسة في مواجهة واحدة
ولا يرى صباغ أن الملفات القضائية الخارجية قانونية بحتة، إذ تتشابك مع العقوبات الدولية التي تفرض قيوداً على التعامل مع الأصول السورية، والعلاقات الثنائية التي قد تستخدم فيها بعض الدول الملفات القضائية كورقة ضغط سياسي، إضافة إلى التحالفات الإقليمية، في ظل اختلاف المواقف من سوريا بين الدول، الأمر الذي يؤثر في تعامل محاكمها مع القضايا المرفوعة ضد الدولة السورية.
ويحذر من مخاطر الأحكام الغيابية، إذ إن عدم التمثيل القانوني الفعال قد يؤدي إلى صدور أحكام بمبالغ فلكية يصعب الطعن فيها لاحقاً، كما أن نجاح المدعين في قضية واحدة قد يشجع العشرات غيرهم على رفع قضايا مماثلة.
ويضاف إلى ذلك استهداف أصول جديدة، إذ إنه مع أي انفراج سياسي وعودة للأصول، سيكون هناك سباق بين جهود التنمية وجهود التنفيذ القضائي.
بناء قدرات متخصصة
ويرى صباغ أن التعامل مع هذه الملفات يتطلب بناء قدرات مؤسسية، من خلال إنشاء وحدة متخصصة داخل وزارة المالية للتعامل مع القضايا الخارجية، وتوظيف خبرات قانونية دولية متخصصة في قانون الحصانات السيادية، وبناء قاعدة بيانات شاملة للأصول السورية في الخارج ووضعها القانوني.
كما يوصي بتنويع الاستراتيجيات، عبر الجمع بين الدفاع القانوني والتفاوض بهدف التسوية حيثما أمكن، واستكشاف المسارات البديلة كالتحكيم الدولي أو الوساطة، وبناء تحالفات قانونية مع دول صديقة تواجه تحديات مماثلة.
وفي مجال إدارة المخاطر الوقائية، يدعو إلى مراجعة شاملة لمواقع الأصول السورية وإعادة توزيعها في ولايات قضائية أكثر أماناً، وإنشاء صناديق ائتمانية أو هياكل قانونية تحمي الأصول المستقبلية، ووضع بروتوكولات للتعامل مع أي محاولات حجز جديدة.
الدبلوماسية القانونية
ويشدد صباغ كذلك على أهمية تكثيف التواصل مع حكومات الدول التي توجد فيها أصول سورية لشرح الموقف، والسعي إلى اتفاقيات حماية استثمارات ثنائية، والاستفادة من الخبرات الدولية في مجال حماية الأصول السيادية.
ويخلص إلى أن هذا اللقاء خطوة ضرورية في الاتجاه الصحيح، وأن أهمية هذا التحرك تتجاوز البعد القانوني إلى البعد الاقتصادي الاستراتيجي، فالأصول السيادية ليست مجرد ممتلكات مالية، بل هي ركيزة أساسية لأي مستقبل اقتصادي سوري. ونجاح اللجنة في مهمتها سيحدد بشكل كبير قدرة الاقتصاد السوري على التعافي وإعادة الاندماج في النظام المالي الدولي.
ويؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تشكيل اللجنة، بل في منحها الصلاحيات والموارد الكافية، وتوظيف الخبرات القانونية الدولية القادرة على المنافسة في محاكم معقدة تتطلب تخصصاً دقيقاً ومتابعة مستمرة، فالمسار القانوني الموازي للدبلوماسية هو الخيار الصحيح، لكنه يحتاج إلى استراتيجية شاملة تتجاوز ردود الفعل إلى المبادرة الاستباقية.
وكان وزير المالية محمد يسر برنية استقبل رئيس وأعضاء لجنة المنازعات القضائية الخارجية، برئاسة المستشار محمد عبدالله الرفاعي، رئيس إدارة قضايا الدولة، لبحث سبل متابعة القضايا القانونية الخارجية القائمة بحق الدولة السورية وحماية الأصول السيادية السورية.
وتضم اللجنة ممثلين عن إدارة قضايا الدولة، وأمانة رئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية والمغتربين، ووزارة المالية، ومصرف سورية المركزي.
وأكد الوزير أهمية دور اللجنة والحاجة إلى متابعة الملفات التي تعمل عليها، كمسار قانوني بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، مؤكداً حرص وزارة المالية على تقديم الدعم اللازم.
وحضر الوزير كذلك جانباً من مناقشات اجتماع اللجنة الذي استضافته وزارة المالية في مقرها، حيث تم في الاجتماع التوافق على ترتيب أولويات هذه القضايا وآليات المتابعة المطلوبة، والخبرات المتخصصة التي تحتاجها.





