في نقاش بدا أكثر صراحة من المعتاد، لم يلتفّ المشاركون حول التحديات التي تواجه القطاع الخاص في سوريا، بل وضعوها مباشرة على الطاولة: صعوبة الوصول إلى التمويل، هشاشة البيئة التنظيمية، تقلّص فرص التوسع، وتراجع القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية.
هذه العناوين لم تكن مجرد ملاحظات عابرة في ندوة اقتصادية، بل شكلت محور نقاش حاد ضمن فعالية “الأربعاء الاقتصادي” التي نظّمتها غرفة تجارة دمشق تحت عنوان: “إعادة تصور تطوير القطاع الخاص في سوريا: الأولويات، الشراكات، ومسارات النمو”، وبمشاركة حسن فلاحة، مدير فريق التنمية الشاملة والتمويل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، إلى جانب نخبة من رجال الأعمال والخبراء الاقتصاديين.
حوار بلا أقنعة بين التجار

المداخلات التي قدّمها رجال الأعمال والمشاركون كشفت بوضوح حجم التحديات التي يعيشها القطاع الخاص، حيث طُرحت أسئلة مباشرة حول قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار في ظل محدودية التمويل، وتعقيد الإجراءات، وضعف أدوات الدعم الفعّال.
كما برزت إشكاليات تتعلق بضعف البنية التصديرية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية، إضافة إلى تحديات تنظيمية تؤثر على بيئة الاستثمار وتحدّ من قدرة المشاريع على التوسع أو حتى الاستقرار.
هذا النقاش، الذي اتسم بقدر غير معتاد من الصراحة، عكس تحوّلاً في طريقة تناول الملف الاقتصادي، من توصيف عام إلى مواجهة مباشرة مع جوهر الأزمة.
لا تعافي اقتصادياً دون شراكة مع القطاع الخاص
في هذا السياق، أكد الدكتور عامر خربوطلي، المدير العام لغرفة تجارة دمشق، أن ما طُرح خلال الندوة يعكس الواقع الفعلي الذي يعيشه القطاع الخاص، مشيراً إلى أن الغرفة تعمل على تحويل هذه النقاشات إلى مسارات عمل حقيقية وليست مجرد حوارات نظرية.
وشدد خربوطلي في حديثه لـ”الوطن” على أن القطاع الخاص لم يعد طرفاً ثانوياً في العملية الاقتصادية، بل أصبح محورياً في أي مسار للتعافي، لافتاً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب شراكة فعلية بين صناع القرار والقطاع الإنتاجي لتجاوز الاختناقات الاقتصادية الراهنة.
المشكلة ليست في الاقتصاد فقط
من جانبه، قدّم فلاحة قراءة أوسع للأزمة، موضحاً أن التحديات المطروحة لا تتعلق بالاقتصاد فقط، بل ببيئة التعافي ككل، بما يشمل التمويل، والسياسات، والحوكمة الاقتصادية، وآليات دعم المشاريع.
وأشار إلى أن تحسين بيئة الأعمال هو المدخل الأساسي لإعادة تحريك الاستثمار، إلى جانب تطوير أدوات التمويل التي تمكّن المشاريع الصغيرة والمتوسطة من الاستمرار والتوسع، باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد السوري.
كما شدد على أهمية الانتقال من التفكير في إدارة الأزمة إلى بناء النمو عبر تعزيز الإنتاج المحلي، وإعادة ربط سلاسل القيمة، وتوسيع الانفتاح التجاري والإقليمي.
من التشخيص إلى إعادة بناء المسار
النقاشات التي شهدتها الندوة لم تتوقف عند التشخيص، بل امتدت إلى طرح تصورات حول الحلول الممكنة، خصوصاً فيما يتعلق بتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير بيئة التمويل، وتحسين الأطر التنظيمية، وتعزيز القدرة التصديرية.
كما أكد المشاركون أهمية استمرار هذا النوع من الحوار بين القطاع الخاص والمؤسسات التنموية، بما يضمن تحويل التحديات المطروحة إلى سياسات عملية قابلة للتطبيق.
وفي ختام الجلسة، بدا واضحاً أن الرسالة الأساسية التي خرج بها الحضور تتجاوز فكرة التعافي التقليدي، نحو إعادة صياغة أعمق لدور القطاع الخاص باعتباره ركيزة لأي نمو اقتصادي مستدام، لا يمكن تجاهله في أي مرحلة مقبلة.








