الرئيس الشرع يصل إلى العاصمة القبرصية نيقوسيا للمشاركة في قمة الاتحاد الأوروبي الطارئة بعنوان “إنقاذ الصيف”

الرئيس أحمد الشرع يصل إلى جدة واستقباله من قبل الأمير سعود بن مشعل بن عبد العزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة وعدد آخر من المسؤولين

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

حين تتكلم العدالة: الدولة السورية ترسم نهاية الإفلات من العقاب

‫شارك على:‬
20

يحمل تصريح وزير الداخلية أنس خطاب أبعاداً تتجاوز سياقه المباشر، ليعكس توجهاً سياسياً وقانونياً واضحاً لدى الدولة السورية في المرحلة الراهنة، قوامه تثبيت مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتحويله من شعار إلى ممارسة مؤسساتية مستدامة، فالتأكيد أن أمجد يوسف ليس الأول ولن يكون الأخير، يضع هذا الحدث في إطار مسار طويل، لا يقتصر على حالة فردية، بل يشير إلى استراتيجية شاملة تستهدف تفكيك إرث الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها بشكل منهجي.

كلام خطاب، وفق ما قرأه محللون، يعكس تحولاً في مقاربة الدولة لملف الجرائم التي ارتُكبت خلال السنوات الماضية، حيث لم يعد التعامل معها محكوماً بردود فعل ظرفية أو اعتبارات سياسية ضيقة، بل أصبح جزءاً من رؤية أوسع لإرساء العدالة الانتقالية، وهي عدالة لا تكتفي بملاحقة الجناة بل تسعى إلى إعادة الاعتبار للضحايا، وترميم الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، عبر إظهار الجدية في إنفاذ القانون دون استثناء.

وفي هذا السياق، تبدو الإشارة إلى ملاحقة المجرمين “فرداً فرداً” ذات دلالة عميقة، إذ تعكس إصراراً على عدم التساهل أو التعميم، والاعتماد بدلاً من ذلك على آليات دقيقة في التتبع والتحقيق، بما يعزز من مصداقية الإجراءات القانونية ويحصنها من الطعن أو التشكيك، كما أن تجديد العهد لأهالي الضحايا يحمل بعداً إنسانياً، يؤكد أن العدالة ليست مجرد مسار قانوني، بل التزام أخلاقي تجاه من تضرروا بشكل مباشر.

من جهة أخرى، ينسجم هذا التوجه مع ما أعلنته الإدارة السورية الجديدة منذ تسلمها مهامها عقب إسقاط نظام الأسد، حيث أكدت مراراً سعيها لبناء دولة قائمة على المؤسسات، تُدار وفق قواعد قانونية واضحة، بعيداً عن المزاجية أو الانتقائية، وهو ما يعني أن ملاحقة المتورطين لن تكون عملاً انتقامياً، بل إجراءً قانونياً يستند إلى أدلة وإجراءات قضائية راسخة، تضمن تحقيق العدالة دون الإخلال بمعاييرها.

إن ما يتبدى من هذا التصريح، وما سبقه من مواقف رسمية، يشير إلى أن الدولة السورية تحاول رسم معادلة دقيقة ألا وهي تحقيق العدالة من جهة، والحفاظ على استقرار المجتمع من جهة أخرى، وهي معادلة تتطلب توازناً بين الحزم القانوني والانفتاح على مسارات التعافي الوطني، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها سيادة القانون.

في المحصلة، لا يمكن قراءة تصريح وزير الداخلية بمعزل عن هذا الإطار الأشمل، إذ يبدو حلقة ضمن سلسلة خطوات تهدف إلى إغلاق صفحة مؤلمة من تاريخ البلاد، وفتح أخرى قوامها المساءلة والإنصاف، وهو مسار، وإن كان طويلاً ومعقداً، إلا أن الإصرار المعلن على المضي فيه يعكس إدراكاً عميقاً بأن العدالة ليست خياراً، بل شرطاً ضرورياً لبناء مستقبل مستقر.

الوطن – أسرة التحرير