المزيد

‫آخر الأخبار:‬

حين يشعر المواطن أن المستقبل له

‫شارك على:‬
20

حين نتحدث عن سوريا الجديدة، فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع واستثمارات وطرق ومبانٍ وشركات، بل نتحدث قبل كل شيء عن الإنسان الذي نريد أن يشعر بأن هذه المرحلة جاءت لتفتح له باباً أفضل في حياته.

ومن الطبيعي أن نفرح بأي مشروع جديد، وأن نرحب بكل استثمار يسهم في إعمار البلد، وأن نتطلع إلى علاقات أوسع وفرص اقتصادية أكبر، لكن من الطبيعي أيضاً أن يسأل المواطن البسيط: ماذا سيغيّر كل هذا في حياتي؟ وهل سيكون لي نصيب من هذا المستقبل؟

ولا بأس أن تكون دمشق هي البداية، فهي العاصمة ومركز اقتصادي مهم، لكن سوريا ليست دمشق وحدها. فكل محافظة لها إمكاناتها واحتياجاتها وما تتميز به، ويمكن أن تسير مشاريع الإعمار والاستثمار في المحافظات الأخرى بالتوازي، كلٌّ بحسب طبيعتها ومواردها وما يمكن أن تقدمه للاقتصاد الوطني. فهناك الزراعة والصناعة والسياحة والتجارة والنقل والخدمات، وفي كل محافظة فرص يمكن أن تتحول إلى مشاريع وفرص عمل وحياة جديدة لأبنائها.

لكن الأهم أن لا يتحول الإعمار إلى أرقام ومبانٍ فقط، بينما يبقى المواطن ينظر إليها من بعيد، ولا يجد مكاناً له فيها. فعندما يرى مشاريع سكنية أو استثمارات كبيرة بأسعار لا يستطيع حتى أن يحلم بها، فمن الطبيعي أن يسأل: أين أنا من كل هذا؟ وهذا السؤال لا يعني أنه ضد الاستثمار أو ضد الدولة، وإنما يعبر عن مواطن يريد أن يرى أثر هذا التغيير في بيته وعمله وحياة أسرته، وأن يشعر بأن سوريا التي تُبنى من جديد تُبنى له كما تُبنى لغيره.

نحن بحاجة إلى الاستثمارات الكبيرة، ولكننا بحاجة معها إلى مشاريع متوسطة وصغيرة، وإلى سكن مناسب، ومصانع توفر فرص العمل، ومشاريع زراعية تستفيد من إمكانات المحافظات، ودعم لأصحاب المهن والمشروعات الصغيرة. فليس المطلوب أن تكون كل الاستثمارات موجهة إلى المواطن البسيط، وإنما المطلوب أن تكون هناك مساحة في الاقتصاد لكل فئات المجتمع، وألا يشعر أحد بأن سوريا الجديدة تُبنى من أجله بعيداً عنه.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الحكومة؛ فليس المطلوب أن تحل كل المشكلات في وقت واحد، فهذا أمر غير واقعي، لكن المطلوب أن تسمع الناس، وأن ترى الأخطاء وتعالجها، وأن تضع الحاجات الأساسية في مقدمة أولوياتها. كما أن من يتحدثون باسم الدولة في الإعلام ووسائل التواصل عليهم أن يدركوا أن الاعتراف بالمشكلة لا يضعف الدولة، وأن تصحيح الخطأ أقوى من محاولة إنكاره، وأن كلمة صادقة يمكن أن تبني ثقة أكبر من عشرات الخطابات.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول معاناة الناس إلى وقود لليأس، أو إلى مادة لمن يريد أن يقنع السوريين بأن لا مستقبل لبلدهم. نعم، هناك أخطاء ومشكلات حقيقية، ومن حق المواطن أن يتحدث عنها، بل من واجب المسؤول أن يسمعها ويتعامل معها، لكن هناك فرق بين أن تقول للمسؤول: هذا خطأ ونريد إصلاحه، وبين أن تقول للناس: لا شيء في البلد يبشر بالخير أو يستحق الأمل. الأول نقد يحتاجه الوطن، والثاني يقتل الأمل.

أما الاستثمار، فنحن نحتاجه ونرحب به، والمستثمر شريك أساسي في إعادة البناء، لكن من المهم أن يرى سوريا بكل أبنائها واحتياجاتهم، وأن يدرك أن نجاح المشروع لا يقاس فقط بما يحققه من عائد، وإنما أيضاً بما يضيفه إلى المكان الذي يعمل فيه من فرص وعمران وخدمات وحياة أفضل.

وهنا نصل إلى معنى الحاضنة الشعبية؛ فهي ليست تصفيقاً دائماً، وليست صمتاً عن الأخطاء، وإنما هي شعور المواطن بأن الدولة دولته، وأن صوته مسموع، وأن مشكلته مهمة، وأن الخير الذي يأتي إلى البلد سيصل إليه بطريقة أو بأخرى. عندها يصبح المواطن شريكاً في البناء، لا مجرد متفرج عليه.

فليكن طموحنا أن نبني سوريا قوية في اقتصادها، واسعة في فرصها، عادلة في تنميتها، وقريبة من أبنائها. نريد أعماراً يفتح أبواب العمل، واستثماراً يصنع الفرص، ومشاريع يشعر المواطن أن له مكاناً فيها؛ فحين يرى الإنسان أثر البناء في حياته، يصبح شريكاً في نجاحه وحريصاً على مستقبله.

وهذه هي سوريا التي حلمنا بها… سوريا التي يتسع فيها المستقبل للجميع.