مع الإعلان عن الرفع الكامل للعقوبات المفروضة على سوريا، تدخل البلاد مرحلة مفصلية طال انتظارها، مرحلة يمكن وصفها بلا مبالغة بأنها ساعة الحقيقة الاقتصادية. وكما خاطب الرئيس السوري السوريين بوضوح: «زمن بناء سوريا قد بدأ»، فإن هذه اللحظة تضع الجميع، حكومةً ومجتمعاً واقتصاداً، أمام مسؤوليات لا تحتمل التسويف أو تكرار أخطاء الماضي.
يقول المستشار الاقتصادي الدكتور زياد عربش في تصريح لـ”الوطن”: إن رفع العقوبات، التي قيّدت التجارة والنشاط الاقتصادي منذ عام 2019 بعد سلسلة من الإجراءات الأميركية والأوروبية، يفتح الباب فوراً أمام تدفقات تجارية ومالية أوسع، ويعيد تنشيط الاتفاقيات الموقّعة، ويمهّد لعودة الشركات الاستثمارية الإقليمية والدولية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والنفط والخدمات الأساسية.
ويضيف عربش: إن المؤشرات الأولية تدل على اهتمام دولي متزايد، حيث بدأت شركات أجنبية، بينها أميركية، بالعودة إلى قطاع الطاقة خلال الأسابيع الماضية، مع توقّعات بتدفق استثمارات تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار في قطاعات الطاقة

والزراعة والصناعة، ولا سيما الصناعات الاستخراجية. لكنه يشدد على أن تحويل هذه التدفقات إلى نمو فعلي ومستدام يتطلب أكثر من مجرد رفع العقوبات.
خطة متكاملة.. لا فورة مؤقتة
يرى عربش أن الأولوية القصوى اليوم تكمن في صياغة خطة اقتصادية وطنية متكاملة، تشمل مكوناتها المالية والنقدية والمصرفية والتجارية، مع استعجال إصدار التشريعات اللازمة عبر عقد جلسات عاجلة لمجلس النواب، بما يضمن وضوح القواعد الناظمة ويعزّز الثقة بالبيئة الاستثمارية.
ويحذّر من أن غياب هذه الخطة قد يحوّل الانفتاح الاقتصادي إلى فورة مؤقتة أو سباق للاستحواذ على أصول الدولة، بدلاً من أن يكون مدخلاً لنمو طويل الأمد. لذلك، فإن الحوكمة الرشيدة، وتطوير المؤسسات، والتحول الرقمي، تمثّل ركائز أساسية لوقف الهدر، وخلق فرص عمل حقيقية، وضمان عدالة توزيع العوائد.
تحديات عميقة رغم رفع القيود
ورغم أهمية الإلغاء الكامل للعقوبات، يؤكد عربش أن التحديات لا تزال كبيرة، في مقدمتها تدمير البنية الإنتاجية بنسب مرتفعة في الصناعة والزراعة، إضافة إلى ضعف التمويل، ونقص رأس المال، وتراجع القدرة الشرائية. كما يحذّر من مخاطر عودة الفساد، ولا سيما في القطاعات غير الرسمية، في حال غياب أدوات الحوكمة والرقابة الفعالة.
من هنا، يشدد على ضرورة إصلاح المصارف العامة والخاصة تحت إشراف مصرف سورية المركزي، وتفعيل دور مجلس النقد والتسليف، وإعادة هيكلة قطاع التأمين، إلى جانب مكافحة الفساد بشكل منهجي، وإشراك ممثلي الهيئات العامة والخاصة والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني في صياغة وتنفيذ السياسات الاقتصادية.
شراكات إقليمية ودولية لضمان الاستقرار
ويؤكد عربش أهمية تفعيل الاتفاقيات التجارية وحماية الاستثمارات الثنائية والإقليمية والدولية، ولا سيما مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج وتركيا، معتبراً أن اتفاقيات مثل التجارة الحرة مع تركيا أو إعادة إحياء اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي قادرة على جذب استثمارات سورية هي بأمسّ الحاجة إليها، شرط أن ترافقها قوانين حماية واضحة وضمانات قانونية فعالة.
كما يشدد على ضرورة متابعة وتقييم نتائج رفع العقوبات بشكل دوري، عبر مراقبة التدفقات المالية، ومستويات التضخم، ومعدلات النمو، بهدف كشف الاختلالات وتصويب المسارات، مع بقاء الهدف الأسمى هو دعم القدرة الشرائية، والتشغيل، وتأمين سبل العيش الكريم.
لحظة حاسمة بلا أعذار
ويختم عربش بالقول: «لم تعد هناك عقوبات لتبرير التأخير. نحن أمام لحظة حاسمة لإعادة البلاد إلى مسارها الصحيح واستعادة دورها الريادي». فالأولويات اليوم واضحة: إدارة رشيدة، بيئة استثمار جاذبة، تحوّل رقمي، خلق فرص عمل، وشراكات إقليمية متوازنة.
ويؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون الفيصل بين التعافي والجمود، وبين اقتصاد منتج أو استمرار الدوران في حلقة مفرغة، مضيفاً: «الرهان اليوم على الإرادة، المبادرة، والعمل المشترك بين الدولة والسوريين جميعاً».








