تعكس مشاركة الرئيس أحمد الشرع في قمة المجلس الأوروبي مع الشركاء الإقليميين في العاصمة القبرصية نيقوسيا تحولاً جذرياً ومهماً في العلاقات السورية- الأوروبية بعد سنوات من القطيعة، وتحمل دلالات استراتيجية وسياسية متعددة.
أولى هذه الدلالات، عودة سوريا للحاضنة الدولية من الباب الأوروبي، إذ يرى مراقبون أن توجيه الدعوة الأولى من نوعها في تاريخ القمم الأوروبية لرئيس الجمهورية العربية السورية يعد اعترافاً رسمياً بنجاح مسار التغيير السياسي وإعادة بناء سوريا، كما أنها تمثل كسراً نهائياً للعزلة الدبلوماسية والاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على البلاد سابقاً.
أيضاً ينظر إلى مشاركة سوريا ممثلة بالرئيس الشرع في هذه القمة على أنها بدء فصل جديد في العلاقات السورية- الأوروبية، وتفعيل للإطار الجديد للتعاون الذي أعلنته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في بداية العام الجاري، والذي يركز على شراكة سياسية ودعم جهود التعافي الاجتماعي والاقتصادي في سوريا الجديدة، إضافة إلى أنها تأتي بالتزامن مع تحركات أوروبية لرفع العقوبات الاقتصادية بشكل كامل عن سوريا واستئناف اتفاقية التعاون لعام 1978.

وفي ظل مناقشة القمة التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة والغذاء العالمية في الشرق الأوسط، والمخاوف الأمنية، بسبب تعطيل إيران حركة الملاحة في مضيق “هرمز” الحيوي، منذ اندلاع الحرب بينها وبين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في أواخر شباط الماضي، فإن الرئيس الشرع وضع المشاركين في صورة السبيل للخروج من هذا المأزق بتأكيده خلال مؤتمر صحفي عقب القمة أن إغلاق “هرمز” يشكل خطراً كبيراً يضع الجميع أمام استحقاق تاريخي يفرض ابتكار استراتيجية من قلب المنطقة.
الحل لما يجري من ابتزاز إيراني لانطلاق مضيق “هرمز”، ظهرت بوادر ملامحه بطرح خطط ومبادرات في الأسابيع القليلة الماضية، تركز على سوريا وجعلها ممراً استراتيجياً يربط خطوط إمدادات الطاقة والغذاء بين الدول العربية الخليجية ومن ثم تركيا وصولاً إلى أوروبا، الأمر الذي يجعل من الاتحاد الأوروبي يركز على تطوير علاقاته وتعميقها مع سوريا كونها المرشحة لتكون شريان أعضائه الجديد للنفط الخليجي -العراقي.
ومما لاشك فيه أن قمة المجلس الأوروبي مع الشركاء الإقليميين في نيقوسيا، تهدف إلى تعزيز وحدة الموقف الإقليمي وتنسيق الجهود لاحتواء تداعيات باقي الأزمات، بدعم مباشر من الاتحاد الأوروبي، وبناء على ذلك يمكن النظر إلى هذا الحدث من زاوية وجود تغيير أوروبي وإقليمي واسع مع تغير قواعد اللعبة، ودخول سوريا الجديدة فيها بقوة.
خلاصة القول: تمثل مشاركة سوريا في قمة نيقوسيا تتويجاً لمسار إعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي، وتحولاً من سياسة العقوبات إلى شراكة مبنية على التعاون الاقتصادي والأمني.
الوطن – أسرة التحرير








