واكب تعديل المصرف المركزي على قواعد صرف الحوالات الواردة من الخارج، والإتاحة لمتلقي الحوالة خيار استلامها إما بالليرة السورية أو بالعملات الأجنبية المتوافرة، وذلك بالتزامن، اعتماد شركات الصرافة لتسعيرة المصرف المركزي البالغة 13,200 و 13,100 ليرة على شاشاتها ضمن إجراءات قد تكون المطلوبة من الشركات.
إلا أن المفارقة الغريبة التي برزت في السوق تجسدت في استغلال بعض شركات الصرافة لهذه الإجراءات الجديدة، حيث اعتمدت تلك الشركات سعر شراء الدولار بـ13,200 ليرة من المتعاملين، في حين رفضت بيعهم بأقل من 14,200 ليرة، الأمر الذي يخلي قرار المركزي من مضمونه ويساعد مباشرة على تنشيط السوق السوداء بدلاً من كبحها.
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، يرى أن هذه التصرفات تجعل التعديل ليس سوى إجراء شكلي فقط، تم تصميمه لأهداف محددة، يأتي في مقدمتها الشق السياسي والإعلامي لإظهار أن المركزي يوسع خيارات المواطنين، إلى جانب ممارسة نوع من الضغط الأخلاقي لنقل مسؤولية تدهور قيمة الحوالات من المصرف المركزي إلى المواطن نفسه تحت ذريعة “أنت من اخترت الاستلام بالليرة”، ليكون الفرق الوحيد الكامن خلف هذا التعديل هو أن المركزي لم يعد مجبراً على إعلان أنه أجبر المواطنين على ذلك.

اعتراف بالدولرة
ووصف محمد القرار بأنه تحول استراتيجي في السياسة النقدية السورية. وقال: منذ سنوات، كان إلزام تسليم الحوالات بالليرة السورية أداة للضغط على الطلب على القطع الأجنبي ومحاولة توجيه السيولة نحو المصارف الرسمية، لكن مع استمرار تدهور قيمة الليرة، واستمرار اتساع فجوة أسعار الصرف، واعتماد ملايين الأسر على التحويلات الخارجية كمصدر رئيس للدخل، أصبح هذا الإلزام عائقاً يدفع بالمتلقين إلى السوق الموازي لتحويل حاجاتهم الفعلية، معتبراً أن هذا التعديل يأتي كاعتراف ضمني بواقع الاقتصاد المدولر، لكنه يثير إشكاليات تتعلق بالسيولة الفعلية بالدولار، ومستقبل سياسة سعر الصرف، ومخاطر تعميق الدولرة.
وفي ظل استمرار الفجوة بين سعر صرف الليرة السورية الرسمي وسعر السوق الموازي، يوضح أستاذ المصارف أن منح المستفيد خيار استلام الحوالات بالعملة الأجنبية هو اعتراف غير مباشر من المركزي بفشل سياسة سعر الصرف الإداري والتسعير الإلزامي، فطالما أن السعر الرسمي الذي تسعر به المصارف يقل بنسبة كبيرة عن السعر الموازي الذي تسعر به الصرافات غير المرخصة والسوق الموازية، فإن أي مستفيد عاقل كان سيحول دولاره فوراً في السوق الموازي إذا اضطر لاستلامها بالليرة رسمياً.
ولفت محمد إلى أن إتاحة الخيار رسمياً هو محاولة لاستقطاب السيولة الدولارية إلى القنوات الرسمية، حيث يمكن للمستفيد الآن الاحتفاظ بالدولار في حسابه أو صرفه بالسعر الذي يراه مناسباً، وبالتالي فهو ليس إجراءً تجميلياً بالكامل، بل هو تحول من سياسة الإكراه إلى سياسة الحوافز السلبية، حيث يسمح للمواطنين بالاحتفاظ بالدولار بدلاً من إجبارهم على بيعه للمصارف بسعر منخفض، أملاً في أن يُودع جزء منه في المصارف ما يزيد السيولة الدولارية الرسمية أو يُستخدم لشراء مستوردات عبر القنوات الشرعية، ما يخفف الضغط على السوق الموازي تدريجياً، على الرغم من أن نجاحه يظل مرهوناً بثقة المواطن بالنظام المصرفي وهي شبه منعدمة حالياً.
تسريع الدولرة وشلل الأدوات النقدية
وبما أن الحوالات تشكل مصدراً رئيساً للقطع الأجنبي، فيرى محمد أن السماح بتراكمها لدى الأفراد بالدولار سيؤدي بالتأكيد إلى تسريع وتيرة الدولرة، ولكنه يحوّلها من دولرة قسرية مدفوعة بالهروب من الليرة إلى دولرة نظامية معترف بها جزئياً، وسيزيد هذا التراكم الدولاري في المدى القصير خارج القطاع المصرفي (تحت الوسادة) لأن المواطن السوري لا يزال يخشى المصادرة أو التجميد.
وفي المقابل، فإن أدوات المركزي التقليدية (سعر الفائدة، ونسبة الاحتياطي الإلزامي، وعمليات السوق المفتوحة) ستفقد فعاليتها الكبرى لأنها تؤثر أساساً في الودائع بالليرة السورية، وعندما تصبح أغلبية الثروة السائلة مقومة بالدولار خارج الجهاز المصرفي، يصبح المركزي عاجزاً عن التأثير في سلوك حاملي الدولار عبر السياسة النقدية المحلية.
ليكون الحل الوحيد للحفاظ على الفعالية في تعميق سوق صرف دولارية رسمية وربط أدوات السياسة النقدية بسعر الفائدة على الودائع الدولارية، لكن هذا يتطلب احتياطيات أجنبية ضخمة وشفافية وهي ظروف غير متوافرة حالياً، وبالتالي فإن القرار يضحي ببقايا الفعالية النقدية مقابل تخفيف الضغط الاجتماعي والسياسي الناتج عن شح الدولار الرسمي.
صدمة الطلب في السوق الموازي
أستاذ التمويل يتوقع بناءً على سلوكيات اقتصادية سابقة شهدتها تجارب دول كتركيا ولبنان، ونظراً لفرق السعر الكبير وفقدان الليرة السورية لوظيفة مخزن القيمة، فإن النمط المتوقع هو أن يختار أكثر من 80% من المستفيدين استلام الحوالة بالدولار، وذلك بدافع التحوط من التضخم لكون الليرة تفقد قيمتها أسبوعياً بينما يحافظ الدولار على قيمته، إلى جانب حاجة السوق الفعلية حيث تسعر معظم السلع الكبرى كالعقارات والسيارات والأجهزة بالدولار حتى داخل سوريا، فضلاً عن سهولة التحويل لكون تحويل الدولار إلى ليرة عند الحاجة أيسر بكثير من تحويل الليرة إلى دولار.
وتؤدي هذه المعطيات برأي محمد إلى حدوث انخفاض حاد في المعروض من الدولار المبيع للمصارف والصرافات الرسمية، بعد أن كان المستفيد سابقاً مجبراً على بيعه جزئياً أو كلياً للحصول على الليرة، وسيتسبب هذا المشهد في زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازي لتعويض النقص في المعروض الرسمي، ما يُضعف الليرة أكثر في المدى القصير حتى يصل السوق إلى توازن جديد، وبعبارة أخرى، فإن القرار قد يسبب صدمة تضخمية إضافية قبل أي استقرار مفترض.
خيارات نظرية تحكمها قيود السيولة والفساد
نص التعديل على أن الاختيار يكون وفق الإمكانات المتاحة لدى الجهة المنفذة، ويعتبر محمد أن هذا الشرط يمثل الثغرة الأكبر في القرار لكونه يحيد الخيار لصالح الليرة في معظم الحالات ويجعله نظرياً أكثر منه عملياً، فالمصارف السورية وشركات الصرافة تعاني أصلاً من نقص حاد في السيولة الدولارية بسبب العقوبات وتراجع الاحتياطي، ولا وجود لضمانات حقيقية مقدمة من المركزي لكونه لا يستطيع ضخ دولارات جديدة للجهات المنفذة دون التأثير في احتياطياته الهزيلة. متوقعاً أنه جراء ذلك أن تلجأ الجهات المنفذة إلى تطبيق سعر صرف مجحف عبر منح الدولار بالسعر الرسمي المنخفض لمن يختاره ما يجعل الخيار غير مجدٍ اقتصادياً، أو رفع العمولة وفرض رسوم إضافية على صرف الحوالة بالدولار، إضافة إلى تأخير الدفع بادعاء عدم توافر العملة حالياً وتأجيل صرف الدولار لأيام، وستؤدي هذه الممارسات عملياً إلى اضطرار معظم المستفيدين للاستلام بالليرة رغم رغبتهم بالدولار ما يعيد الوضع إلى ما قبل التعديل، ولكن مع إضفاء شرعية على التمييز بين المستفيدين، حيث يحصل ذوو الواسطة على الدولار بينما يُحرم منه الآخرون، ما يفاقم الفساد وعدم المساواة.
احتياطيات المصرف
يرى أستاذ المصارف أنه في حال نجاح القرار في تحويل الحوالات من تحويل إلزامي لليرة إلى احتفاظ بالدولار خارج الجهاز المصرفي، فإن ذلك سيقلص حجم الودائع بالليرة في المصارف ويحد من قدرتها على الإقراض، ويفترض هنا التفريق بدقة بين احتياطي المركزي الرسمي (الأصول الأجنبية التي يملكها ويستخدمها لتمويل المستوردات الأساسية كالقمح والمحروقات)، وبين السيولة الدولارية في السوق المحلي (الأموال الواردة عبر الحوالات والمودعة لدى المصارف أو المحفوظة تحت الوسادة).
ويظهر التأثير غامضاً ومزدوجاً في احتياطي المركزي، ففي الحالة العادية السابقة كانت الحوالات تُحول إجباراً إلى ليرة ويُستخدم بعضها لشراء دولارات من السوق الموازي لتأمين المستوردات، ومع بقاء الدولار الآن عند المستفيد، فإن الضغط على احتياطي المركزي الرسمي قد ينخفض مؤقتاً لكون المركزي لم يعد مضطراً لبيع الدولار من احتياطيه لتلبية طلب المستوردين الصغار، لكن في المقابل، سيُطلب منه بيع المزيد من الدولار لتمويل المستوردات الأساسية كالقمح والدواء والمحروقات لأن القطاع الخاص لم يعد يملك دولارات كافية لاستيرادها نظراً لتوقف تحول الحوالات إلى ليرة ثم إلى دولار في السوق الموازي، وتكون المحصلة هي ارتفاع الطلب على احتياطي المركزي لتمويل المستوردات الأساسية مقابل انخفاض تدفق الدولار الجديد إليه، ما يعبر عن زيادة صافية في الضغط على احتياطيات المركزي قد تدفعه قريباً إلى تقنين تمويل المستوردات أو تخفيض سعر الصرف الرسمي بشكل أكبر.
التناقضات الداخلية والحلول الغائبة
ويخلص رأي الأكاديمي الاقتصادي إلى أن تعديل القرار 235/ل يمثل نقلة نوعية في فكر السياسة النقدية السورية والانتقال من سياسة القمع الإداري القائمة على إجبار بيع الدولار إلى سياسة المساومة الواقعية عبر محاولة جذب الدولار بإعطاء حرية الاختيار، لكن من منظور أكاديمي بحت، فإن هذا التعديل يحمل تناقضات داخلية قاتلة على الرغم من حسن نيته في تخفيف المعاناة الاجتماعية وتوسيع الخيارات، وتتجلى في غياب شرط السيولة حيث يخلق إعطاء خيار دون توفير العملة إحباطاً أكبر من الإلزام المسبق، وتسريع الدولرة دون أدوات احتوائها لكون الاقتصاد السوري ليس مهيأً لدولرة نظامية لغياب سوق رأس المال وضعف الاحتياطي وانعدام الثقة بالمصارف، إضافة إلى التأثير التضخمي الأكيد والقصير الأجل الناجم عن زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازي لتعويض النقص في المعروض الرسمي مايدفع الليرة إلى مزيد من الانهيار قبل أي استقرار.
ويرى محمد أنه كان الأجدى أن يسبق هذا التعديل أو يرافقه ثلاثة إجراءات جذرية تتمثل في توحيد سعر الصرف عبر تعويم مدار لإلغاء الفجوة التي تجعل الخيار الدولاري أكثر جاذبية، وإعادة هيكلة قطاع المصارف وتقديم ضمانات سيادية للودائع الدولارية لاستيعاب التدفقات، وتفعيل سوق بين البنوك لتحديد سعر عادل لليرة بشكل يومي.
موضحاً أنه من دون هذه الأسس البنيوية، يبقى القرار مسكناً اجتماعياً مؤقتاً، وأداة لنقل الضغط من المصرف المركزي إلى المواطن مباشرة دون حل المشكلة الهيكلية المتمثلة في فجوة سعر الصرف وندرة القطع الأجنبي الحقيقية في الاقتصاد السوري، ما يجعله خطوة ضرورية ولكنها غير كافية ومحفوفة بمخاطر تستوجب الإدارة بعناية فائقة.








