استمرارنا كسوريين ضمن النظرة الضيقة للثورة على أن الانتصار هو الحلقة الأخيرة، وما يرافقه من أحقية التفرد بالسلطة والاستئثار بها دون الأحرين، هي نفسها النظرة الضيقة التي تصف النصر كأنه حدث خارجي، أو تحقيق عسكري لا غير.
علماً أن قمة الانتصار لا تتحدد بسقوط الأسد، أو تحرير سورية فحسب. بل الانتصار الحقيقي هو ما تحدثه مفرزات الثورة من تغيرات في وعي الأفراد والمجتمع. بل إن أهم إنجازات الثورات هي إعادة صياغة الذات الجمعية، واستعادة معنى الحرية والمسؤولية.
سيقدم هيغل، وعبر فلسفة التاريخ، منظوراً واضحاً حول العلاقة بين الثورات ومفرزاتها. فالتاريخ هو صراع متواصل من أجل الحرية، وهذه الأخيرة لا تأتي عبر السيطرة على الواقع الخارجي، بل إن أكبر تجلياتها هي لحظة إدراك الإنسان لذاته، ككائن حر ومسؤول، وحين يتحول الحق في الحرية إلى وعي جماعي وجزء من النسيج السياسي والاجتماعي للمجتمع.

وفي إسقاط الفكرة الفلسفية هذه على الثورة السورية، نجد أنه انتصار غير مكتمل، بمجرد إسقاط النظام السابق. فالانتصار الحقيقي يتحقق مع وعي السوريين لحقوقهم، وحين يقتنعون بالمسؤولية الجماعية لإعادة بناء مجتمعهم. وهو يعني تحويل تجربة الألم والمعاناة إلى وعي جماعي.
بحثنا عن الحرية، وحصلنا عليها، بعد شلالٍ من الدم، وعذاباتٍ كبيرة. لكن ما يُخشى على مآلات الثورة وانتصارها، أن تخرج عن خط الإجماع الشعبي في الإدارة والسياسة والحكم. فالحرية ووفقاً لمفهوم جان بول سارتر، هي تتزامن أبداً مع المسؤولية؛ لأن الحرية الحقيقية هي مع الالتزام بالآخر، بمشروع جمعي يُعيد تعريف الهويّة الوطنية، من دون الغاء الهويّات الفرعية، وأيضاً من دون القفز فوق الخصوصيات ومآسي القوميات خلال مرحلة الأسد.
لنتفق أن لا فهم عميق لسنوات الثورة وانتصارها، ما لم يتم التوقف عند الألم والمعاناة المشتركة بين جميع السوريين: تجربة الحرب والنزوح، القصف والفقدان، هذه القساوة من المفروض أن تصنع وعياً عميقاً لدى السوريين بذواتهم، وقيمهم المشتركة، وحق الجميع في العيش بكرامة.
كُلنا متألمون، وإن بدرجات أكثر هنا وهناك، سواء لحجم المآسي أم لسنوات المحق التي سبقت ورافقت الثورة. وهذا الشعور يجب أن يتحول إلى مصدر معرفة، وليس إلى تفضيل. فالمعاناة وآلية التعامل معها، تكشفان الحدود الحقيقية للعدالة، وكيفية قدرة المجتمع على مواجهة التحديات، وعن أهمية تحويل الخسائر إلى مشروع بناء حقيقي مشترك بين السوريين. فهم أصبحوا -أو هكذا يُفترض- أكثر وعياً بأن الحرية، ليست مجرد غياب القمع، بل حضور الإرادة والوعي الجمعي، والمسؤولية تجاه الآخرين.
ونحن نجتاز العام ونصفه على انتصار الثورة، ونعيش أيامها واستذكار ابتهالاتها، مازال السؤال المُعقد يتردد مُجدداً: ما طبيعة الانتصار؟ وهل حقاً توقف العنف والدماء هو الانتصار أم إنها للهويّة السورية الجديدة؟ هذا إن افترضنا أن العنف والدماء قدّ توقفا فعلاً.
إذاً نحن بأمس الحاجة إلى هويّة وطنية تتجاوز مجرد انتماء جغرافي أو ثقافي. إلى هويّة كوعي وإدارة جمعية مشتركة للسوريين، الذين يجب عليهم احتواء التنوع وآلياته وإدارته بشكل حقيقي ضمن إطار ناظم للعدالة والمواطنة. الانتصار الحقيقي يتحقق حين يتمكن المجتمع من إعادة ضبط العنف داخله، وتحويل الألم الجماعي، إلى ثقافة تسامح وسياسة وفكر، تحكي الحقوق الفردية والقومية والجماعية، وحينها نكون أمام تأسيس حقيقي لمستقبل سوري مستقر.
هذا الاحتواء للتشنجات المجتمعية والسياسية، يقود لطرح سؤال جوهري آخر: هل الهويّة الوطنية، لمرحلة ما بعد الصراع، تُبنى عبر الصراعات أو الحوار السياسي السلمي؟ أثبتت سنوات الربيع العربي، والتجارب الدولية الخارجة من النزاع، أن الصراع يولد وعياً مهماً، لكنه وحده لا يصنع مجتمعاً مستقراً. بل إن الهويّة الوطنية بحاجة إلى مؤسسات قوية، وحوار مستمر، وثقافة مشتركة، تدفع بقيم الحقوق والواجبات لأعلى السلم والهرم، بدلاً من الدوران في متاهة الانتقام والانقسام والصراع المستمر.
الفلسفة السياسية المعاصرة، من حنه آرندت إلى ميشيل فوكو، تؤكد أن السلطة لا تُبنى على القوة وحدها، بل على الاعتراف المتبادل. القوة قد تفرض النظام، لكنها لا تخلق مجتمعاً حراً ومستقراً. أي إن الانتصار، بهذا المعنى، ليس حدثاً لحظياً، إنما عملية تراكمية: تبدأ من الصراع والمعاناة، لتصل إلى الوعي، وتتحول إلى مؤسسات وقوانين وثقافة سياسية تحمي حرية الجميع، وتضمن الاعتراف المتبادل بين الأفراد والجماعات.
لنتفق معاً: أن الانتصار الحقيقي ليس فقط للثورة والادعاء بنهاية العنف. الفوز الأكبر هو على مستوى بناء وعي جماعي قادر على احتواء التنوع، وتحويل الألم إلى معرفة، وتحقيق الحرية بمعناها العميق. هويّة الثوة الحقيقية تتحقق عندما تصبح الحرية مصحوبة بالمسؤولية، وقادرة على حماية الحقوق وضمان الكرامة وتعزيز العدالة.
قصارى القول: الثورة السورية منحتنا درساً أن الانتصار ليس حدثاً زمنياً قصيراً. بل عملية مستمرة تتطلب الصراع والمعاناة والوعي والمسؤولية. الانتصار الحقيقي هو في تحويل الحرية والكرامة والهويّة إلى جزء أساسي من وعي السوريين، بما يليق بتاريخ الشعب السوري وصموده وصبره على المحن.







