الاستثمارات في سورية هي نقطة البداية وليست النهاية، إذ إن الاستثمار لا يتحول إلى انخفاض في الأسعار وفرص عمل بشكل مباشر، لأنه ببساطة يمر عبر عدة مراحل أو عبر سلسلة اقتصادية تكون من نتائجها انخفاض الأسعار وخلق فرص عمل.
الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم أوضح أن سورية بدأت فعلياً تدخل مرحلة مختلفة، مشيراً إلى أن صندوق النقد الدولي أشار مؤخراً إلى تحسن النشاط الاقتصادي مدفوعاً بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وزيادة الكهرباء، وعودة اللاجئين، وإعادة الاندماج الإقليمي، كما يرى البنك الدولي أن النشاط الاقتصادي مرشح للاستمرار في التحسن خلال 2026، مدعوماً بالاستثمار العام والخاص وعودة الطلب المحلي وتحسن الكهرباء.
لكن الكل يسأل أمام هذه المبادرات والاجتماعات واللقاءات: كم عدد المليارات التي ستدخل سورية؟ ويمكن أن يكون من المفيد معرفة هذا الرقم، لكن الأهم أين ستذهب هذه الأموال؟

ويرى أشرم أنه إذا ذهبت الاستثمارات إلى البنية التحتية، كالكهرباء والنقل والموانئ والاتصالات والزراعة والصناعة، فسوف تزيد الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، وعندها يبدأ الاستثمار في تخفيض تكلفة الإنتاج والنقل والطاقة، ويصبح انخفاض الأسعار أو على الأقل تباطؤ ارتفاعها نتيجة اقتصادية ممكنة.
أما إذا تركزت الاستثمارات في العقارات والأراضي والمضاربة، فقد يحدث العكس، إذ ترتفع أسعار العقارات والأراضي والإيجارات قبل أن يشعر المواطن بأي تحسن في دخله. وهذا أحد أهم مخاطر مرحلة إعادة الإعمار.
الاستثمار المنفذ هو المعيار الحقيقي
أما سوق العمل، فالمعيار الأهم هو الاستثمار الأخضر، وليس الاستثمار المعلن بحسب أشرم فمذكرة تفاهم بقيمة مليارات الدولارات لا تخلق وظيفة واحدة، إذا لم تتحول إلى مشروع ممول وبدأ التنفيذ وهذا مهم في سورية تحديداً، لأن حجم احتياجات إعادة الإعمار هائل، إذ قدّر البنك الدولي احتياجات إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار.
لذلك يتوقع أشرم أن يكون تأثير الاستثمار في الوظائف أسرع من تأثيره في الأسعار. مشاريع البناء والطاقة والنقل والزراعة والصناعة يمكن أن تبدأ بتوظيف العمالة والمقاولين والموردين المحليين خلال فترة قصيرة نسبياً لكن انخفاض الأسعار يحتاج إلى شيء إضافي: زيادة مستدامة في العرض المحلي واستقرار سعر الصرف وتراجع تكاليف الاستيراد والتمويل.
ويرى أشرم أن هناك نقطة جوهرية يجب ألا نغفلها: الاستثمار لا يخفض الأسعار بذاته؛ الإنتاجية هي التي تخفض الأسعار.
لذلك، بالنسبة لي، يمكن القول إن المواطن السوري سيبدأ بالشعور الحقيقي بثمار الاستثمارات عندما نرى ارتفاع الاستثمار المنفذ فعلياً وليس مجرد التعهدات، وزيادة الإنتاج المحلي وليس فقط زيادة الواردات، وانخفاض تكلفة الكهرباء والنقل والتمويل، وارتفاع العمالة والأجور الحقيقية، وليس الأجور الاسمية فقط، واستقرار سعر الصرف والتضخم.
رأس المال المنتج هو الرهان الحقيقي
يعتبر أشرم أنه هنا تكمن المسألة الاستراتيجية فسورية لا تحتاج فقط إلى رأس مال أجنبي وإنما تحتاج إلى رأس مال أجنبي منتج، والفرق بين الاثنين هو الذي سيحدد ما إذا كانت مرحلة الانفتاح الاقتصادي ستتحول إلى نمو شامل أم إلى ارتفاع في أسعار الأصول يستفيد منه أصحاب رأس المال قبل بقية المجتمع.
وبعبارة مختصرة، إذا كان الاستثمار يبني المصانع والكهرباء والطرق ويزيد الإنتاج، فسوف يخلق الوظائف، ويمهد لانخفاض تكاليف المعيشة أما إذا كان يشتري الأراضي والعقارات فقط، فقد نرى ارتفاعاً في الثروة على الورق قبل أن نرى تحسناً في حياة السوريين.
ويعتقد أشرم أن فترة 2026–2027 ستكون مرحلة انتقالية مهمة، ونجاحها لن يُقاس بعدد مليارات الدولارات التي أُعلن عنها، وإنما بنسبة ما يتحول منها إلى أصول إنتاجية، وظائف، صادرات، وإيرادات حقيقية للاقتصاد السوري.
أثر الاستثمار في الأسعار
لكن هناك نقطة يجب التركيز عليها برأي أشرم، وهي أن الاستثمار في محطة كهرباء أو مصنع أو طريق لا يظهر أثره في أسعار المستهلك في اليوم التالي. لدينا أولاً مرحلة construction & capital formation، ثم التشغيل، ثم زيادة الإنتاجية، ثم انتقال جزء من مكاسب الإنتاجية إلى الأسعار والأجور.
ولهذا فضل اشرم أن يكون حذراً جداً من استخدام عبارة انخفاض الأسعار، فالهدف الاقتصادي الأكثر واقعية في المرحلة الأولى هو وقف تآكل القوة الشرائية عن طريق دعم استقرار الأسعار التي تساعد على ارتفاع الدخل الحقيقي، ثم بنتيجتها يمكن أن تنخفض بعض الأسعار نتيجة زيادة العرض وزيادة الإنتاج.
والأهم، برأي أشرم، أن البنك الدولي وصندوق النقد كلاهما يصفان التعافي السوري الحالي بأنه تعافٍ ناشئ، لكنه محاط بدرجة عالية من عدم اليقين، وبالتالي فإن المخاطر الأمنية، والطاقة، والقطاع المصرفي، والبيئة التنظيمية، وقدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات ستحدد سرعة انتقال الاستثمار من التعهدات إلى النمو الحقيقي.







