يشهد محصول الثوم في سوريا خلال الموسم الحالي حالة متناقضة تجمع بين ارتفاع المساحات المزروعة وزيادة الإنتاج من جهة، ومخاوف المزارعين من انهيار الأسعار وعدم تغطية التكاليف من جهة أخرى، في وقت يشتكي فيه المستهلك من تقلبات سعر المادة بين موسم وآخر.
ويبدو أن الثوم، الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى أحد المحاصيل النقدية المهمة في الجنوب السوري وبعض المحافظات الوسطى، بات نموذجاً واضحاً لأزمة التسويق الزراعي في البلاد، حيث يغيب التخطيط المسبق وتتكرر الفجوة بين المنتج والأسواق.
ففي محافظة درعا لا تزال تتصدر إنتاج الثوم في سورية، إذ شهد الموسم الحالي توسعاً ملحوظاً في المساحات المزروعة مقارنة بالخطة الزراعية الرسمية.

وبين مدير زراعة درعا، عهد الزعبي في تصريح لـ “الوطن” أن المساحات المنفذة بلغت نحو 328 هكتاراً، بينما كانت الخطة الأصلية لا تتجاوز 118 هكتاراً، أي بزيادة قاربت ثلاثة أضعاف.
كما يُتوقع أن يصل الإنتاج إلى نحو 3000 طن من الثوم الجاف، أي ما يعادل حوالى 7.5 آلاف طن من الثوم الأخضر.
وأرجع مدير الزراعة هذا التوسع إلى ارتفاع أسعار الثوم خلال المواسم السابقة، ما شجع العديد من الفلاحين على التوسع في زراعته أملاً بتحقيق أرباح جيدة، خاصة مع تراجع جدوى بعض المحاصيل التقليدية الأخرى.
رغم زيادة الإنتاج، يؤكد مزارعون أن تكاليف الزراعة ارتفعت بشكل غير مسبوق هذا الموسم، نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات وأجور العمال والنقل والري.
ويقول مزارعون في درعا: إن تكلفة إنتاج الكيلو الواحد من الثوم الأخضر تقترب من 4000 ليرة سورية، في حين أن أسعار البيع بالجملة تراوحت بين 2000 و2500 ليرة فقط في بداية الموسم، ما يعني أن كثيراً من الفلاحين يبيعون بخسارة فعلية.
كما أن الثوم من المحاصيل التي تحتاج إلى عناية طويلة نسبياً داخل الأرض، إضافة إلى عمليات تجفيف وتخزين وفرز، ما يزيد من التكلفة النهائية على المنتج.
ويؤكد فلاحون آخرون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في ضعف الإنتاج، بل في غياب قنوات التسويق المنظمة، وترك السوق تحت سيطرة الوسطاء والتجار.
“تقلبات الأسعار”
وشهدت أسعار الثوم خلال السنوات الماضية تقلبات كبيرة، ففي بعض المواسم انهارت الأسعار بسبب فائض الإنتاج، بينما قفزت بشكل حاد في مواسم أخرى نتيجة قرارات تصدير أو نقص المعروض.
وخلال الموسم الحالي، تراوح سعر كيلو الثوم الأخضر بين 3500 و6000 ليرة حسب الحجم والجودة، بينما تراوح سعر الثوم الجاف من الموسم الماضي بين 15 و20 ألف ليرة سورية في بعض الأسواق.
من جهتهم يرى خبراء اقتصاديون أن غياب سياسة زراعية مستقرة أدى إلى حالة من الفوضى السعرية، موضحين أنه حين ترتفع الأسعار يتوسع الفلاحون بالزراعة بشكل كبير، ثم يحدث فائض إنتاج يؤدي إلى انهيار الأسعار في الموسم التالي.
وكانت الحكومة السورية أصدرت مؤخراً قراراً بمنع استيراد الثوم، في خطوة تهدف إلى دعم المنتج المحلي وتحسين الأسعار للمزارعين. ويرى بعض التجار أن القرار قد يساعد تدريجياً في امتصاص فائض الإنتاج ورفع الأسعار خلال مرحلة التخزين والتجفيف، على حين يرى فلاحون أن القرار وحده غير كافٍ، لأن الأزمة الحقيقية تتعلق بالتسويق والتخزين والتصدير، وليس فقط بالمنافسة مع المستورد.
“أزمة التسويق والتخزين”
واحدة من أكبر مشكلات الثوم السوري هي ضعف البنية التخزينية والتصنيعية، فالثوم يحتاج إلى إمكانات تخزين جيدة للحفاظ على جودته ومنع التلف، بينما يضطر كثير من الفلاحين للبيع المبكر لتأمين السيولة وتسديد الديون.
ويرى فلاحون أن غياب معامل التجفيف والتوضيب والتصنيع يجعل السوق المحلية عاجزة عن استيعاب فائض الإنتاج في ذروة الموسم.
وطالبوا بإنشاء معامل لتجفيف الثوم والبصل في المحافظات الزراعية، حيث يتم تحويل جزء من الفائض إلى منتجات مصنعة أو معدة للتصدير، ما يخفف الضغط عن الأسواق ويحافظ على الأسعار.
من جهتهم يرى خبراء زراعيون أن الحل لا يكمن في رفع الأسعار بشكل دائم أو خفضها بشكل حاد، بل في بناء سياسة توازن تحمي المنتج والمستهلك معاً.
ومن أبرز الحلول المقترحة حسب وجهة نظرهم هي الزراعة التعاقدية وهي اتفاقات مسبقة بين الفلاحين والجهات التسويقية أو المؤسسات الحكومية لتحديد الكميات والأسعار قبل الزراعة، ما يمنع الفوضى ويضمن هامش ربح مقبول، إضافة إلى دعم مستلزمات الإنتاج من خفض أسعار الأسمدة والمحروقات والبذار يمكن أن يقلل تكلفة الإنتاج، وبالتالي يسمح ببيع المادة بأسعار مناسبة دون خسارة الفلاح.
ومن الحلول أيضاً إنشاء مراكز تخزين وتوضيب، ووجود مستودعات تبريد وتجفيف حكومية أو تعاونية يخفف من اضطرار الفلاح للبيع الفوري بأسعار متدنية، إضافة فتح باب التصدير المنظم، التصدير المدروس خلال فترات الفائض يمكن أن يمنع انهيار الأسعار المحلية، بشرط ألا يؤدي إلى نقص المادة داخلياً وارتفاعها على المستهلك.
وأكدوا أيضاً إلى ضرورة تقليص دور الوسطاء، حيث يشكو الكثير من المزارعين من أن الحلقة الأكبر من الأرباح تذهب للتجار والوسطاء، بينما يتحمل الفلاح وحده مخاطر الزراعة. لذلك فإن إنشاء أسواق مباشرة بين المنتج والمستهلك قد يسهم في تخفيض الأسعار وتحسين دخل الفلاح.








