يحمل انتقال ملف سوريا من البند الرابع إلى البند الثاني في جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان الأممي دلالة سياسية تتجاوز الإجراء التقني، لتُعبر عن إعادة تموضع سوريا داخل المنظومة الدولية بعد عقود من العزلة التي فرضها النظام البائد بانتهاكاته الجسيمة والممنهجة بحق السوريين.
فالبند الرابع، المخصص تقليدياً للدول محل “قلق خاص” جراء انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كان يضع دمشق في خانة الأنظمة المارقة طوال سنوات حكم النظام البائد، بينما يفتح البند الثاني، الأكثر عمومية والأقل تصادمية، مساحة للحوار والتعاون بدل المساءلة القسرية وحدها.
هذا التحول، كما عرضه ممثل سوريا ياسر الفرحان أمام لجنة التحقيق الدولية المستقلة في جنيف، لا ينبغي قراءته بمعزل عن سياق تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024، الذي أعاد فتح الملف الحقوقي السوري على أساس جديد قوامه القطيعة مع إرث الانتهاكات لا تبريرها أو التستر عليها.
فالحكومة السورية، وفق ما عرضه الفرحان، اختارت مساراً مزدوجاً: الانخراط الطوعي مع الآليات الأممية من جهة، وبناء مسارات وطنية للعدالة الانتقالية والمساءلة القضائية من جهة أخرى، عبر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ومحكمة الجنايات المختصة التي بدأت بالفعل بالفصل في ملفات تضم مئات القضايا العالقة منذ سنوات.
واللافت أن هذا التوجه السوري لقي تقاطعاً مع تقييم أممي مستقل، إذ أكدت عضو لجنة التحقيق الدولية فيونوَلا ني أولين أن التعاون مع الحكومة السورية بات “بناءً”، وأشارت إلى مؤشرات ملموسة على التحول: انتخاب مجلس الشعب، وعودة ملايين النازحين واللاجئين، إلى جانب تمكين اللجنة من الوصول الميداني المستمر داخل الأراضي السورية، هذا الاعتراف الأممي، الصادر عن جهة تحقيق مستقلة، يمنح الرواية السورية ثقلاً إضافياً أمام الرأي العام الدولي.
في المقابل، شكل الملف الإسرائيلي محوراً مشتركاً بين الطرفين السوري والأممي، إذ وثقت اللجنة الدولية بنفسها، عبر زياراتها الميدانية إلى القنيطرة ودرعا، توغلات ودوريات ومداهمات واحتجازات قسرية طالت مئات المدنيين السوريين، واعتبرت أن هذه الممارسات قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب وتمثل انتهاكاً صريحاً لسيادة سوريا وسلامة أراضيها ولاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وهذا ينسجم مع طرح أوسع يرى أن حماية حقوق الإنسان لا يمكن أن تكون انتقائية بحسب الجهة التي ترتكب الانتهاك.
يبقى التحدي الأكبر أمام هذا المسار في قدرة سوريا على ترجمة الاعتراف الدولي المتزايد إلى دعم فعلي وملموس، سواء عبر تمويل جهود جبر الضرر وبناء قدرات المؤسسات القضائية والحقوقية الوطنية، أو عبر ضغط دولي حقيقي يوقف الخروقات الإسرائيلية المتكررة، فالانتقال من البند الرابع إلى الثاني خطوة رمزية بالغة الأهمية، لكنها تظل مرهونة في نتائجها العملية، بمدى ثبات المسار السوري في الشفافية والمساءلة، ومدى جدية المجتمع الدولي في مواكبة هذا التحول بالفعل.
أسرة التحرير






