سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

من 11 إلى 46 ملياراً.. هل تحمي “الموارد الذاتية” قفزة الرواتب من مقصلة الأسعار؟

‫شارك على:‬
20

صرح وزير المالية محمد يسر برنية عبر وسائل إعلام محلية أن كتلة الأجور والرواتب الشهرية ارتفعت من 11.3 مليار ليرة إلى 46 مليار ليرة، كما ارتفعت تكلفة رواتب المتقاعدين من 2.9 مليار إلى أكثر من 13.5 مليار ليرة، مؤكداً أنه مع بداية العام المقبل سيتم الوصول إلى منظومة رواتب كاملة تشمل القطاعات الإدارية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والمتقاعدين، معلناً في الوقت ذاته أن تمويل هذه الزيادات تم بالكامل من الموارد الذاتية للدولة دون اللجوء إلى التمويل بالعجز أو الاستدانة، مبيناً أن الزيادات في المرحلة المقبلة ستشمل جميع الوزارات والهيئات المتبقية ولن يتم ترك أحد.

وفي سياق هذه التصريحات أوضح أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان في حديث للوطن أنه في الاقتصادات التي تواجه ضغوطاً معيشية كبيرة، تتحول زيادة الرواتب من مجرد قرار مالي إلى قضية اقتصادية واجتماعية تمس حياة ملايين الأسر، ولذلك حظيت تصريحات وزير المالية باهتمام واسع، لأنها تطرح سؤالين جوهريين: من أين ستأتي الأموال؟ وهل ستبقى الزيادة محتفظة بقيمتها الشرائية أم ستلتهمها الأسعار؟

وأضاف حمدان قائلاً: حسب الأرقام المعلنة، ارتفعت كتلة الرواتب والأجور الشهرية من نحو 11.3 مليار ليرة إلى 46 مليار ليرة، كما ارتفعت تكلفة رواتب المتقاعدين من 2.9 مليار إلى أكثر من 13.5 مليار ليرة، وهي قفزة تعكس توجهاً واضحاً نحو تحسين دخول العاملين والمتقاعدين بعد سنوات طويلة من تآكل القوة الشرائية.

ومن الناحية الاقتصادية، يرى حمدان أن أهمية هذه التصريحات لا تكمن في حجم الزيادة فقط، وإنما في التأكيد على تمويلها من الموارد الذاتية للدولة، فإذا صحت هذه المعطيات فإن ذلك يمثل تحولاً مهماً في إدارة المالية العامة لأنه يربط تحسين الدخول بموارد حقيقية بدلاً من تحميل الاقتصاد أعباء تضخمية إضافية، كما أنه يعكس توجهاً نحو تعزيز الانضباط المالي والابتعاد عن الحلول قصيرة الأجل القائمة على العجز أو التوسع النقدي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هو ما طبيعة هذه الموارد الذاتية؟ وهل هي موارد ناتجة عن تحسن حقيقي ومستدام في الإيرادات العامة والنشاط الاقتصادي أم أنها موارد استثنائية قد يصعب تكرارها بالوتيرة نفسها خلال السنوات المقبلة؟

حمدان يرى أنه إذا في حال الموارد الذاتية أصبحت قادرة بالفعل على تمويل زيادة رفعت كتلة الرواتب إلى أكثر من أربعة أضعاف مستواها السابق فإن ذلك يعد مؤشراً إيجابياً على تحسن الإيرادات العامة أو كفاءة إدارتها، غير أن التحدي الاقتصادي الحقيقي لا يكمن في القدرة على تمويل الزيادة لمرة واحدة بل في تحويل هذه القدرة إلى مسار مستدام يمكن البناء عليه عاماً بعد عام دون الإخلال بالتوازنات المالية أو العودة إلى أدوات التمويل التقليدية القائمة على العجز والاستدانة.

معادلة الأجور والتضخم والإنتاج

وفي المقابل هناك لا يقل أهمية هو: هل تستطيع هذه الزيادة تجنب خلق موجة تضخمية جديدة؟ والإجابة الاقتصادية برأي حمدان لا تتوقف على زيادة الرواتب بحد ذاتها بل على كيفية تمويلها وعلى قدرة الاقتصاد على الاستجابة للطلب الإضافي الناتج عنها، فهناك فرق جوهري بين زيادة الرواتب الممولة بطباعة النقود أو بالاستدانة وبين زيادة الرواتب الممولة من موارد حقيقية موجودة داخل الاقتصاد، وفي الحالة الثانية يكون الخطر التضخمي أقل نسبياً لأن الدولة لا تضخ كتلة نقدية جديدة بالضرورة وإنما تعيد توجيه جزء من الموارد المتاحة.

مضيفا: ومع ذلك فإن انخفاض مخاطر التضخم لا يعني اختفاءها بالكامل، فإذا ارتفعت الدخول في وقت لا يزال فيه الإنتاج المحلي محدوداً والعرض السلعي والخدمي ضعيفاً فقد تتجه الأسواق إلى رفع الأسعار ما يؤدي إلى تآكل جزء من المكاسب المتوقعة، أما إذا ترافقت الزيادة مع سياسات تدعم الإنتاج والاستثمار وتحسن بيئة الأعمال وتزيد من المعروض من السلع والخدمات فإن فرص الحفاظ على القوة الشرائية تصبح أكبر ويتحول الإنفاق الإضافي إلى محفز للنشاط الاقتصادي بدلاً من أن يكون وقوداً للتضخم.

نحو إصلاح هيكلي

وحول إعلان وزير المالية أن الدولة تتجه مع بداية العام المقبل إلى بناء منظومة رواتب متكاملة تشمل القطاعات الإدارية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والمتقاعدين، يرى حمدان أنه هنا تبرز أهمية الانتقال من منطق الزيادة المؤقتة إلى منطق الإصلاح الهيكلي، فبناء منظومة رواتب حديثة لا يتعلّق فقط برفع الأرقام وإنما بإعادة هيكلة الأجور على أسس تحقّق العدالة والاستدامة والكفاءة والإنتاجية في الوقت نفسه، ولذلك فإن نجاح أي منظومة جديدة لن يقاس فقط بمستوى الرواتب بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين العدالة والاستدامة والإنتاجية، بحيث يحصل العامل على دخل أكثر عدالة وتحافظ الدولة على قدرتها التمويلية ويتحوّل الأجر إلى حافز حقيقي للأداء والإنجاز.

كما أن النقاشات والاعتراضات التي رافقت الزيادة الأخيرة أظهرت أن قضية الأجور لم تعد تتعلق بالقيمة الاسمية للراتب فقط بل بمدى شعور العاملين بعدالة التوزيع ووضوح المعايير وقدرة الأجر على تأمين مستوى معيشي مقبول، ومن هنا فإن التحدّي الحقيقي لا يتمثّل في تمويل الزيادة الحالية فحسب بل في تحويلها إلى جزء من رؤية اقتصادية طويلة الأجل.

مضيفاً: فاستدامة تحسين مستويات الأجور تتطلب استراتيجية تمتد لسنوات قادمة تقوم على توسيع القاعدة الإنتاجية وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي وتعزيز إيرادات المؤسسات العامة وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل ورفع إنتاجية الاقتصاد الوطني، كما أن نجاح منظومة الرواتب المرتقبة سيتطلب ربط الأجور بشكل متدرّج بمؤشرات الأداء والإنتاجية والكفاءة، بحيث تتحوّل الزيادات المستقبلية من استجابة للضغوط المعيشية فقط إلى جزء من دورة اقتصادية صحية تقوم على زيادة الإنتاج وتوليد قيمة مضافة حقيقية، ففي النهاية لا توجد دولة تستطيع رفع الأجور بصورة مستدامة أسرع من قدرتها على إنتاج الثروة، فالرواتب توزّع الدخل، لكن الإنتاج هو الذي يخلقه أساساً.

وختم حمدان بالقول: إن أهمية الزيادة الأخيرة لا تكمن فقط في قيمتها المالية، بل في الرسالة التي تحملها حول قدرة الدولة على تحسين الدخول بالاعتماد على مواردها الذاتية، غير أن النجاح الحقيقي سيبقى مرهوناً بقدرة الاقتصاد على توليد المزيد من الإنتاج والاستثمار وفرص العمل، فالمعركة الأساسية ليست معركة زيادة رواتب فحسب، بل معركة بناء اقتصاد قادر على تمويل تلك الرواتب والمحافظة على قيمتها الشرائية لسنوات قادمة، وإذا نجحت الحكومة في تحويل التمويل الذاتي الحالي إلى سياسة مالية واقتصادية مستدامة ترتبط بالنمو والإنتاجية، فقد تكون الزيادة الحالية بداية مسار إصلاحي أوسع لمنظومة الأجور والدخل في سوريا، أما المعيار الحقيقي للحكم على نجاحها فلن يكون حجم الأموال التي دخلت جيوب العاملين اليوم بل ما إذا كانت ستبقى قادرة على تحسين مستوى المعيشة بعد عام أو أكثر من الآن، فنجاح أي سياسة للأجور لا يقاس بما تضيفه إلى الراتب على الورق بل بما تضيفه إلى حياة الناس في الواقع.