شكل اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع، مشروع القرار الذي تقدمت به سوريا لإعلان 19 كانون الأول من كل عام يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين، تتويجاً لمسار انطلق من معاناة أسر المفقودين في سوريا، وفي مقدمتها النساء اللواتي واصلن البحث عن أبنائهن وأزواجهن وأحبائهن، وتمسكن بحقهن في معرفة الحقيقة رغم المخاطر وطول سنوات الانتظار.
إذ لم يكن القرار وليد جلسة دبلوماسية عابرة، بل وليد سنوات من الانتظار على أبواب السجون، وأمام قوائم الأسماء المعلقة على جدران المشافي والمقابر الجماعية، حيث ظلت أمهات وزوجات وأخوات يبحثن عمن ابتلعهم الغياب من دون خبر وومن دون قبر.
وخلف الصياغة القانونية للقرار، تقف حكايات لم تُروَ يوماً أمام لجنة أممية، فقد استند نص القرار ومضامينه إلى الاستماع المباشر إلى ذوي المفقودين، من خلال جلسات مع الأهالي جرى تنظيمها بترتيب مشترك مع البعثة السورية، في تلك الجلسات، لم تكن النساء يروين “معلومات”، بل كنّ يروين طقساً يومياً: امرأة تحمل صورة ابنها في حقيبتها منذ عام 2013، لم تُغيّرها رغم اهترائها، وأخرى ظلت تطرق أبواب الفروع الأمنية تُقايض ذهبها بجملة واحدة: “لسّا عايش”، كنّ ينتظرن، لأن الحداد بلا جثمان لا يكتمل، وبلا يقين لا يبدأ.
من هذا الواقع، كما تؤكد الهيئة الوطنية للمفقودين، انطلقت المبادرة التي اقترحتها الهيئة استناداً إلى تجربة أسر المفقودين في سوريا، ثم حملتها الدبلوماسية السورية إلى الأمم المتحدة.
وفي 21 تموز 2026، برزت المبادرة في اجتماع لمجلس الأمن حول العدالة الانتقالية والمفقودين في سوريا، حيث دعا رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي إلى دعم مسار داخل الأمم المتحدة لاعتماد يوم دولي لنساء أسر المفقودين، تقديراً لصمودهن ودورهن في التمسك بحق الأسر في معرفة الحقيقة.
لكن المبادرة لم تُصغ بعيداً عن أصحاب القضية، ففي 27 تموز، عقد جلخي ومندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي جلسة حوارية مع عدد من نساء أسر المفقودين والمختفين قسراً، خصصت للاستماع إلى تجاربهن ووجهات نظرهن بشأن المبادرة، وأكدت الهيئة أن اللقاء جاء لتصميم المبادرة وتطويرها انطلاقاً من رؤية الأسر وتجاربها، بما يعبر عن احتياجات النساء ودورهن في حفظ الذاكرة والدفاع عن حقهن في معرفة مصير أحبائهن.
وهنا أخذت المبادرة بعداً يتجاوز التكريم الرمزي؛ فاللغة التي حملتها إلى الأمم المتحدة جاءت من تجربة من عشن الغياب، ومن أسئلة لم تجد جواباً، لذلك ركزت مضامينها على الاعتراف بدور النساء، وحق الأسر في الحقيقة والعدالة، وضمان عدم تكرار الاختفاء القسري.
وفي 31 آب، انتقل هذا الصوت من غرف الانتظار وبيوت الأسر إلى سجل الأمم المتحدة، عندما اعتمدت الجمعية العامة بالإجماع مشروع القرار السوري، وبهذا لم يعد 19 كانون الأول تاريخاً في قرار أممي فحسب، بل أصبح يوماً يستعيد فيه العالم قصص النساء اللواتي حملن صور أحبائهن وطرقن الأبواب وانتظرن خبراً، وحافظن على الذاكرة حين كان الغياب يهدد بابتلاع أصحابها.
وهكذا، خرجت المبادرة من رحم معاناة سورية خاصة، لكنها انتهت إلى اعتراف أممي بقضية تتجاوز الحدود: قضية النساء اللواتي يبحثن عن مفقوديهن ويتمسكن بالأمل حين لا يبقى لهن سوى صورة واسم وذكرى، وسؤال واحد لا يسقط بالتقادم: أين أحباؤنا؟
أسرة التحرير









