سجلت حركة الشحن والترانزيت عبر الأراضي السورية نشاطاً متصاعداً خلال الفترة الأخيرة مدفوعة بالتحولات التي تشهدها طرق التجارة والطاقة في المنطقة والتحديات المرتبطة بالممرات البحرية التقليدية ولاسيما بعد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على الأهمية الجغرافية والاقتصادية لسوريا كممر بري يربط الخليج والعراق وتركيا بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية.
تطور حركة الشحن
وفي تصريح لـ”الوطن” بين صالح كيشور رئيس اتحاد شركات شحن البضائع الدولي أن حركة الشحن والترانزيت ودخول البضائع ارتفعت خلال الفترة الماضية نحو 50 بالمئة مؤكداً أن هذا الارتفاع يعكس الأهمية المتزايدة للمسارات البرية السورية في التجارة الاقليمية.

وأوضح كيشور ان سوريا تمتلك فرصة اقتصادية كبيرة لاستعادة دورها كممر رئيسي لحركة النقل والطاقة في المنطقة لكنه أشار في الوقت نفسه إلى استمرار وجود العديد من الصعوبات التي تواجه قطاع النقل والترانزيت ومن بينها القضايا المرتبطة بعمليات المناقلة على الحدود والحاجة إلى تنفيذ تفاهمات واتفاقات مع الدول المجاورة لتسهيل حركة البضائع والشاحنات.
أقل تكلفة
وفي حديث خاص لـ”الوطن” أوضح الباحث الاقتصادي والأكاديمي الدكتور مصعب الشبيب أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها أهمية إستراتيجية استثنائية بوصفها نقطة التقاء طبيعية بين الخليج والعراق وتركيا من جهة وبين البحر المتوسط وأوروبا من جهة أخرى، الأمر الذي جعلها تاريخياً ممراً إلزامياً للتجارة والطاقة في المنطقة.
وأوضح الشبيب أن الطرق السورية توفر للدول الخليجية والعراق منفذاً برياً أقصر وأقل تكلفة نحو المتوسط مقارنة بالاعتماد الكامل على المسارات البحرية عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس مبيناً أن ذلك لا ينعكس فقط على تكاليف النقل بل أيضاً على أمن الإمدادات وسرعة وصول البضائع والطاقة إلى الأسواق الأوروبية.
مؤشر اقتصادي
وأشار الشبيب إلى أن أهمية هذا الدور تعززت مؤخراً مع عودة نشاط الترانزيت الإقليمي عبر الأراضي السورية حيث شهدت المعابر السورية عبور أول قافلة ترانزيت قادمة من تركيا ومتجهة إلى العراق عبر منفذي تل أبيض واليعربية في مؤشر اقتصادي يعكس عودة الثقة تدريجياً بالمسار السوري.
وحسب الشبيب فإن شركات الشحن والنقل تعتمد في خياراتها اللوجستية على تقليل الزمن والكلفة ولذلك يبقى المسار السوري من أكثر المسارات جاذبية في المنطقة لأنه يختصر المسافات البرية ويخفض استهلاك الوقود ورسوم النقل والتأمين المرتبطة بالشحن البحري الطويل.
كما يمنح هذا المسار الشركات مرونة أكبر في الوصول الى الأسواق الأوروبية بعيداً عن الاختناقات والمخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، الأمر الذي دفع العديد من الشركات لإعادة النظر في جدوى الاعتماد على الطرق البرية السورية.
30-50 بالمئة
ولفت الباحث إلى أن الدراسات اللوجستية تشير إلى أن النقل عبر سوريا يمكن أن يحقق وفراً زمنياً يتراوح بين ثلاثين وخمسين بالمئة لبعض خطوط التجارة القادمة من الخليج والعراق باتجاه المتوسط وهو وفر يرتبط بتقليص زمن الرحلات وخفض تكاليف الوقود والتأمين ورسوم العبور البحري.
وأكد أن التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية أعادت التأكيد على أهمية الممرات البرية البديلة ما رفع من القيمة الاقتصادية للطرق السورية باعتبارها ممراً أكثر استقراراً وأقل تعرضاً للمخاطر الجيوسياسية البحرية
واعتبر الشبيب أن قطاع الترانزيت في سوريا لم يعامل تاريخياً كصناعة وطنية متكاملة رغم امتلاكه مقومات اقتصادية ضخمة موضحا أن الاقتصادات الحديثة تنظر إلى النقل والخدمات اللوجستية باعتبارها صناعة سيادية قادرة على تحقيق عوائد كبيرة وتحريك عشرات القطاعات الاقتصادية المرتبطة بها.
مردود اقتصادي
وأضاف الشبيب أن الموقع الجغرافي السوري يمثل مورداً اقتصادياً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية لكنه يحتاج الى رؤية اقتصادية طويلة الأمد تقوم على تطوير الطرق الدولية والمرافئ والمناطق الحرة والخدمات اللوجستية والربط السككي والأنظمة الجمركية الحديثة
وأشار إلى أن سنوات الحرب والعقوبات الاقتصادية وتراجع البنية التحتية ساهمت في انحسار حركة العبور الإقليمية خلال السنوات الماضية بالتزامن مع سعي بعض الدول إلى تطوير ممرات بديلة لاستقطاب حركة التجارة والطاقة.
لكنه أكد ان المؤشرات الحالية توحي بعودة تدريجية للدور السوري خاصة مع عبور قوافل الترانزيت بين تركيا والعراق عبر الأراضي السورية ووصول قوافل النفط العراقي إلى بانياس تمهيداً لإعادة التصدير عبر المتوسط.
وأوضح أن تأثير الترانزيت لا يقتصر على الرسوم المباشرة التي تحصلها الدولة بل يمتد إلى تحريك سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المحلية تشمل الوقود والصيانة والخدمات اللوجستية والتخزين والتأمين وتشغيل المرافئ والمعابر والأسواق التجارية المحيطة.
فرص عمل
وأشار الباحث إلى أن تنشيط قطاع الترانزيت يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة ويساهم في تحريك الدورة الاقتصادية الداخلية وتحويل سوريا إلى مركز خدمات إقليمي يستفيد من تدفق التجارة والطاقة.
وفيما يتعلق بالتحديات أكد الشبيب أن تطوير قطاع الترانزيت ما يزال يواجه عقبات تتعلق بالحاجة الى إعادة تأهيل البنية التحتية والطرق الدولية وتحديث الأنظمة الجمركية واللوجستية وتخفيض زمن الإجراءات الإدارية على المعابر إضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين والعقوبات الاقتصادية والمنافسة الإقليمية من بعض الممرات البديلة.
ورغم هذه التحديات شدد على أن الجغرافيا تبقى عاملاً حاسماً على المدى الطويل وأن سوريا تمتلك ميزة استراتيجية يصعب تجاوزها أو تعويضها بالكامل.
كما أكد أن سوريا تملك جميع المقومات التي تؤهلها للتحول إلى عقدة نقل وطاقة إقليمية تربط الخليج والعراق والأردن وتركيا بالمتوسط وأوروبا ولا سيما مع امتلاكها مرافئ استراتيجية على الساحل السوري وإمكانية الربط بين النقل البري والبحري وخطوط الطاقة مستقبلاً.
نقاط ارتكاز
واعتبر الشبيب أن أهمية المرافئ السورية تبرز ولا سيما اللاذقية وطرطوس ومصب بانياس النفطي باعتبارها نقاط ارتكاز أساسية لأي مشروع إقليمي للنقل والطاقة حيث تمنح قرباً جغرافياً مهماً للعراق والخليج على البحر المتوسط وأن وصول قوافل النفط العراقي إلى بانياس خلال الأشهر الأخيرة يعكس رغبة عراقية بتنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز كما يعكس عودة سوريا تدريجياً للعب دور عقدة الطاقة في شرق المتوسط.
ويرى مراقبون ان التحولات المتسارعة في حركة التجارة والطاقة بالمنطقة تعيد رسم أهمية الممرات البرية السورية بوصفها خياراً اقتصادياً واستراتيجياً للدول المجاورة والخليج العربي ومع تزايد الحاجة إلى مسارات نقل أكثر أمناً واستقراراً تبدو سوريا مرشحة لاستعادة دورها التاريخي كمركز إقليمي للنقل والطاقة والتجارة.
غير أن تحقيق هذا التحول يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على تطوير البنية التحتية وتعزيز البيئة القانونية واللوجستية وتوسيع التعاون الاقتصادي مع دول الجوار بما يضمن استعادة الثقة الدولية بحركة النقل عبر الأراضي السورية وتحويل الموقع الجغرافي لسوريا إلى رافعة حقيقية للنمو والاستثمار والتنمية الاقتصادية في المرحلة المقبلة.








