تضع فاتورة استيراد النفط والمشتقات، التي تصل إلى نحو 831 مليون دولار شهرياً، الاقتصاد السوري أمام معادلة شديدة التعقيد، في ظل محدودية موارد القطع الأجنبي واستمرار الفجوة بين احتياجات البلاد وقدرتها على تأمين الطاقة محلياً وبينما ينعكس ارتفاع كلفة تأمين المحروقات مباشرة على أسعار السلع والخدمات ومعيشة المواطنين، تبدو المشكلة أبعد من مجرد أزمة تسعير، لتتصل باختلالات هيكلية في الإنتاج والتكرير والتمويل.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي يرى في حديثه لـ” الوطن” أن الدلالة الاقتصادية العميقة لحاجة سورية إلى نحو 831 مليون دولار شهرياً لاستيراد النفط والمشتقات تكمن في حجم الضغط الكبير الذي تشكله هذه الفاتورة على موارد البلاد المحدودة من القطع الأجنبي، إذ تتجاوز عشرة مليارات دولار سنوياً.
فجوة الميزان التجاري
يوضح قوشجي أن تأمين هذا المبلغ شهرياً ينعكس في مستويات مرتفعة من استنزاف الاحتياطات النقدية لدى المصرف المركزي، بما يخلق ضغوطاً متواصلة على قيمة الليرة السورية ويدفعها نحو مزيد من التراجع أمام العملات الأجنبية.
كما يعكس هذا الرقم، بحسب قوشجي، التحول القسري للبلاد من موقع الاكتفاء الذاتي واستقرار الإمدادات النفطية إلى حالة الاعتماد الكامل تقريباً على الاستيراد، الأمر الذي يضخم العجز التجاري ويحرم الاقتصاد الوطني من فرصة توجيه هذه الموارد الكبيرة نحو دعم الإنتاج والتنمية والاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الخدمية.
تضغط على الأسعار ومعيشة المواطنين
ولا تقتصر آثار هذه التكلفة المرتفعة على المؤشرات الاقتصادية الكلية، بل تمتد بشكل مباشر إلى حياة المواطن السوري اليومية عبر آليتين متداخلتين، وفق قوشجي.
تتمثل الآلية الأولى في الموجات التضخمية التراكمية، إذ تعد المحروقات، من مازوت وبنزين، مكوناً أساسياً لعمليات نقل البضائع، وتشغيل الآلات الصناعية، ومضخات الري الزراعي،
إضافة إلى المولدات الكهربائية وبالتالي، فإن أي زيادة في أسعار الوقود لتغطية أعباء الاستيراد تتحول سريعاً إلى ارتفاع شامل في أسعار المنتجات والخدمات والمواد الغذائية.
أما الآلية الثانية فتتمثل في التآكل الحاد لدخل الأسر السورية، إذ إن رفع أسعار المشتقات لتصل إلى مستويات قريبة من التكلفة الاستيرادية، في ظل تدني الأجور الحالية، يستنزف الجزء الأكبر من القدرة الشرائية المتبقية، بما يزيد من اتساع ظاهرة الفقر وتقلص الاستهلاك.
حل للسيولة أم ترحيل للأزمة؟
ويرى قوشجي أنه عند ربط وزارة الطاقة ارتفاع الأسعار بارتفاع تكاليف الاستيراد وتوقف مصفاة بانياس مؤقتاً، تتجلى أزمة تفاضلية بين الحلول الإسعافية والمعالجات الجذرية.
فرفع الأسعار وتمرير التكلفة إلى المستهلك يمثل، بحسب رأيه، إجراءً اضطرارياً موجهاً لتسيير السيولة النقدية وتأمين الشحنات العاجلة لتفادي توقف الإمدادات كلياً، لكنه في جوهره لا يعدو كونه مسكناً وقتياً ينتهي مفعوله مع كل تقلب جديد في أسعار النفط عالمياً أو اضطراب في سلاسل التوريد.
أما المشكلة الحقيقية، وفق قوشجي، فهي هيكلية وعميقة، تعود إلى توقف سياسة التمويل الحكومي التقليدية وعجز الخزينة العامة عن الاستمرار في تقديم الدعم المالي، بالتوازي مع تضرر بنية التكرير والاستخراج المحلية.
وعليه، فإن مجرد رفع الأسعار من دون حل مشكلة تدني الإنتاج المحلي ومعالجة تشوهات أجور العاملين، لا يشكل علاجاً للخلل الهيكلي بقدر ما يمثل، بحسب تعبيره، ترحيلاً وتفقيراً مستمراً للمستهلك.
ثلاثة أطراف في مأزق الطاقة
وتضع المعطيات الحالية صانع القرار الاقتصادي أمام ثلاثية معقدة وشديدة الحساسية، بحسب قوشجي فالضلع الأول يتمثل في خزينة عامة لم تعد قادرة على تحمل دعم الطاقة بسبب اتساع عجز الموازنة وتراجع الإيرادات.
أما الضلع الثاني فيكمن في دخل المواطن والمقيم الذي لم يعد يحتمل أي زيادات جديدة تفرضها الأسعار العالمية للوقود، في حين يمثل الضلع الثالث قطاع طاقة حيوياً يحتاج باستمرار إلى تدفقات مالية نقدية بالعملة الصعبة لضمان استمرار التدفقات النفطية وتفادي الشلل الكامل في باقي القطاعات.
ويشير قوشجي إلى أن هذا المأزق يجعل خيارات التوازن صعبة للغاية، ويعزز الفكرة القائلة إن الحل لن يتأتى عبر تعديل التعرفات والمبيعات اليومية فقط.
الإنتاج والتكرير لتخفيف فاتورة الاستيراد
ويكشف رقم 831 مليون دولار شهرياً، وفق قوشجي، أن مشكلة الطاقة في سورية تجاوزت حدود أزمات التسعير والتحصيل المباشر، لتسلط الضوء على ضرورة إيجاد أنموذج تمويلي وتشغيلي جديد.
ويرى أن الاكتفاء برفع الأسعار كإجراء وحيد لتغطية الفارق المالي يسهم في تغذية الحلقة المفرغة للتضخم، من دون أن يحل أزمة التوفير المستدام.
وتتطلب المعالجة الجذرية، حسب رؤيته، التوجه نحو إصلاحات تدريجية تبدأ بإعادة تأهيل حقول النفط ومرافق التكرير لرفع نسب الإنتاج المحلي وتخفيف فاتورة الاستيراد، والعمل على رفع كفاءة الاستهلاك والتحول نحو مصادر الطاقة البديلة، وذلك بالتوازي مع صياغة سياسات دخل حقيقية تحمي الفئات الأكثر هشاشة وتعيد قدرتها على التكيف مع متطلبات الاقتصاد الحقيقي.









