مصدر خاص لـ “الوطن”: رفع العقوبات الأوربية عن وزارتي الدفاع والداخلية وليس عن الوزيرين كما نُشر في وسائل الإعلام

إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع لـ “الوطن”: استشهاد اثنين من جنود الجيش العربي السوري وإصابة عدد آخر، جراء استهداف غادر من قبل مجهولين لباص مبيت غرب صوامع العالية بريف الحسكة

الرئيس أحمد الشرع بحث في قصر الشعب بدمشق مع رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري

مصدر أمني: القبض على جلال عبد الحميد المالح الملقلب بالطحان والمتورط بقتل ملازم منشق وتسليم قيادي من حركة أحرار الشام

وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل: التعاون مع “فيزا” و”ماستر كارد” يعزز تطوير البنية المالية الرقمية وفق المعايير العالمية

‏الرئيس أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام بقصر الشعب في دمشق

وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني يفتتح القنصلية العامة لسوريا في جدة بحضور وفد رسمي من وزارة الخارجية السعودية

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بين التحول الديني والصدمة: قراءة هادئة في قضية بتول علوش

‫شارك على:‬
20

لم تكن قضية الفتاة السورية “بتول علوش” مجرد حادثة عائلية عابرة، بل تحولت خلال أيام إلى واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الفضاء السوري بعد سقوط نظام الأسد، بسبب تشابك الدين والطائفة والسياسة والحرية الفردية في آنٍ واحد.

فما بدأ بخروج فتاة من منزل أهلها معلنةً أنها غادرت بإرادتها الكاملة، انتهى إلى حالة استقطاب حادة بين من اعتبرها “مختطفة وسبية”، ومن رآها “مهاجرة إلى الله”، وبين جمهور واسع وقف مشدوهاً أمام حجم التغيرات الاجتماعية التي بدأت تظهر في سوريا الجديدة.

وبصفتي شخصاً سورياً عاش تجربة التدين والالتزام قبل الثورة، ثم اقترب لاحقاً من المنهج السلفي في سنوات الثورة الأولى، أستطيع أن أفهم – إلى حد كبير – ما الذي جرى داخل نفس الفتاة، كما أستطيع في الوقت ذاته أن أتفهم الصدمة العاطفية والنفسية التي عاشها أهلها.

التحول الديني ليس لحظة مفاجئة كما يظن الناس

أحد أكبر الأخطاء التي يقع فيها المتابعون لمثل هذه القضايا هو تصور أن التحولات الفكرية والدينية تحدث فجأة، وكأن الإنسان يستيقظ في يومٍ ما ليصبح شخصاً آخر بالكامل.

في الواقع، أغلب هذه التحولات تكون تراكمية وبطيئة وعميقة، لكنها لا تظهر للعلن إلا عند لحظة الانفجار أو القرار النهائي.

وبحسب ما ذكرته الفتاة نفسها، فإن خلافها الفكري والديني مع أهلها لم يكن وليد أيام، بل ممتداً منذ سنوات.

وهذا التفصيل مهم جداً، لأنه ينقل القضية من رواية “الخطف المفاجئ” إلى حالة صراع داخلي طويل انتهى بقرار حاسم وصادم للعائلة.

من عاش تجربة الالتزام الديني في بداياته يفهم جيداً أن الإنسان حين يقتنع بفكرة يراها “حقاً مطلقاً” أو “هداية من الله”، فإنه لا يشعر أنه غيّر رأياً عادياً فحسب، بل يشعر وكأنه أعاد اكتشاف نفسه والعالم من حوله، فإنه غالباً يشعر أنه اكتشف حقيقة كبرى كانت غائبة عنه وعن محيطه، فينشأ داخله اندفاع شديد ورغبة بالقطيعة مع كل ما يراه مخالفاً لهذه القناعة الجديدة.

وهذه الحالة ليست خاصة بالمنهج السلفي وحده، بل تكاد تكون سمة مشتركة في أغلب التحولات الفكرية والعقدية الحادة، سواء كانت دينية أو سياسية أو أيديولوجية.

الحماسة الأولى للالتزام الديني

من عاش تجربة الالتزام الديني الحاد في بداياته يفهم جيداً تلك المشاعر المتدفقة التي يعيشها الإنسان في مرحلته الأولى.

في تلك اللحظة، لا يشعر المرء أنه “غيّر بعض أفكاره” فقط، بل يشعر وكأنه وُلد من جديد، أو نجا من ضياع طويل، ولذلك يصبح شديد الحساسية تجاه كل ما يراه معصية أو بدعة أو انحرافاً عن الطريق الصحيح.

وقد يصل الأمر أحياناً إلى النفور من البيئة السابقة بالكامل، لا كرهاً للأشخاص أنفسهم، بل خوفاً من العودة إلى ما يعتبره الإنسان “الحياة القديمة”.

ومن هنا يمكن فهم إصرار الفتاة على عدم العودة مباشرة إلى منزل أهلها رغم توسلات والدتها، ورغم إعلان أهلها أنهم لن يمنعوها من الحجاب أو التدين.

فالقضية بالنسبة لها – على ما يبدو – لم تعد مجرد خلاف على اللباس، بل تحولت إلى شعور نفسي وروحي بأنها أصبحت في “عالم” مختلف عن عالمها السابق.

ولعل استخدام الفتاة لمصطلح “الهجرة” في أول ظهور لها يكشف بوضوح طبيعة الوعي الديني الذي بات يحكم نظرتها لنفسها ولما قامت به.

لماذا لم يصدقها أهلها؟

في المقابل، من الظلم أيضاً تجاهل مشاعر أهلها أو التعامل معهم كأنهم يمثلون دور “الشرير” في القصة.

فالوالدان اللذان ربّيا ابنتهما واحداً وعشرين عاماً، ثم يشاهدانها فجأة بلباس مختلف، وخطاب مختلف، وشخصية مختلفة، ورفض عاطفي حاد للعودة إلى المنزل، من الطبيعي أن ينهارا نفسياً وأن يبحثا عن أي تفسير منطقي لما يجري.

كثير من الناس لا يستطيعون ببساطة استيعاب أن القناعات الفكرية أو الدينية قد تغيّر الإنسان بهذا العمق، لذلك يلجؤون إلى تفسيرات أخرى:

غسيل دماغ، سيطرة نفسية، تأثير جماعة، أو حتى مواد دوائية.

وهذا يفسر حالة الإنكار التي ظهرت لدى والدها، والتناقض بين تصريحاته الأولى واللاحقة.

فالعائلة لم تكن ترى فقط “قراراً دينياً”، بل كانت ترى ابنتها وكأنها تحولت إلى شخص آخر بالكامل، غير متفاعل معهم عاطفياً بالطريقة التي يتوقعونها.

وهذه الصدمة الإنسانية مفهومة، حتى لو كان تفسيرهم للأمر غير صحيح.

من قضية شخصية إلى حرب سرديات المشكلة الأكبر لم تكن في قرار الفتاة نفسه، بل في الطريقة التي التهم بها الفضاء السوري القصة وحولها إلى معركة جماعية.

ففي غضون ساعات، ظهرت روايات عن “خطف وسبي”، وأخرى تتحدث عن “تحرير النساء العلويات”، بينما دخلت الحسابات السياسية والطائفية على الخط، وحاول كل طرف استخدام القضية لإثبات مخاوفه أو انتصاره الإيديولوجي.

وهنا ظهرت بوضوح آثار العقود الطويلة التي عاشها السوريون تحت حكم أمني مغلق في عهد النظام الأسدي البائد، حيث كانت الهويات الطائفية والاجتماعية شبه ثابتة، وكان أي خروج عن البيئة يُنظر إليه باعتباره تهديداً أو خيانة أو مؤامرة.

لكن بعد سقوط نظام الأسد البائد، بدأت سوريا تدخل – ولو ببطء وفوضى – مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: حرية الاختيار الفردي، وهذا ما صدم كثيرين.

فالناس اعتادت أن تكون الانتماءات الدينية والطائفية والاجتماعية “موروثاً إجبارياً”، لا قراراً شخصياً قابلاً للتغيير.

ولذلك عندما ظهرت فتاة تقول إنها اختارت طريقاً مختلفاً بإرادتها، انفجرت المخاوف والهواجس دفعة واحدة.

بين الحرية والرحمة

مع ذلك، فإن الدفاع عن حرية الإنسان في اختيار قناعاته لا يعني بالضرورة تمجيد القطيعة مع الأهل أو التعامل القاسي معهم.

فالالتزام الديني الحقيقي لا يُختبر فقط في المظهر والشعارات، بل أيضاً في القدرة على الجمع بين الثبات على القناعة وبين الرحمة والرفق بالناس، خصوصاً الوالدين.

وفي المقابل، فإن خوف الأهل لا يبرر تخوين الابنة أو نزع أهليتها أو تحويلها إلى مادة للاستثمار الطائفي والسياسي.

ما تحتاجه سوريا اليوم ليس المزيد من التحريض، بل القدرة على فهم التحولات الاجتماعية الجديدة بعقل بارد، والقبول بأن زمن الإكراه الفكري والاجتماعي بدأ يتصدع، وأن الأفراد – مهما كانت بيئاتهم – أصبحوا أكثر قدرة على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.

وفي النهاية، قد نختلف أو نتفق مع قرار بتول، لكن تحويل قصتها إلى معركة كراهية جماعية لن ينتج إلا مزيداً من الانقسام والخوف.

أما الفهم الهادئ والعادل، فهو وحده القادر على حماية المجتمع من الانزلاق مجدداً إلى عقلية التخوين والذعر التي حكمت السوريين لعقود طويلة.

محمد الرباط- ناشط إعلامي

مواضيع: