ليست كلمة “آسف أو أعتذر” كلمة عابرة في الشرق، في ثقافتنا العربية، الاعتذار ليس مجرد مفردة لغوية، بل هو امتحان أخلاقي للنفس وهي تتخلى عن كبريائها، ولهذا قيل قديماً: “الاعتذار من شيم الكبار”، وقال أهل العشائر: “دية الكرام الاعتذار”، أما في السياسة العربية، فالاعتذار يكاد يكون طائراً أسطورياً؛ الجميع يسمع عنه، لكن أحداً لا يراه.
لهذا بدا اعتذار الرئيس أحمد الشرع لأهالي دير الزور حدثاً يتجاوز حدود الواقعة نفسها، لم يكن الأمر متعلقاً فقط بتصريحات غير موفقة صدرت عن والده حسين الشرع، ولا بسوء فهم حصل نتيجة اجتزاء كلام أو إخراجه من سياقه، بل بما هو أعمق من ذلك بكثير: الاعتراف بأن مشاعر الناس تستحق الاحترام، وأن كرامة المجتمع ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه بالصمت أو المكابرة.
وفي سوريا التي خرجت من جرح طويل، يبدو هذا المشهد مختلفاً حد الدهشة، فالسوري الذي عاش عقوداً تحت سلطة تبطش ولا تعتذر، ولو احترقت البلاد كلها، وجد نفسه فجأة أمام رئيس يتصل بمحافظ دير الزور ووجهائها لينقل اعتذاراً واضحاً وصريحاً لأهل المحافظة ريفاً ومدينة، هنا تكمن المفارقة التاريخية الثقيلة؛ فبلد دفع ملايين الشهداء والمفقودين والمعتقلين، وامتلأت خرائطه بالمقابر والخراب والتهجير، لم يسمع يوماً كلمة اعتذار من النظام البائد، لا لأطفال درعا ولا لأمهات المعتقلين، ولا للمدن التي أكلتها النار.

ما فعله الرئيس الشرع اليوم ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل إعلان غير مباشر عن شكل العلاقة الجديدة التي يُراد بناؤها بين الدولة والمجتمع، فالرئيس لم يتعامل مع أبناء دير الزور بوصفهم “رعايا”، بل باعتبارهم شركاء في الوطن، لهم الحق بأن يغضبوا وأن تُصان مشاعرهم، وهذا ما جعل الاعتذار يبدو كنسمة ماء باردة عبرت صحراء السياسة العربية القاحلة.
كما أن دير الزور نفسها ليست مدينة عادية في الوجدان السوري، فهي ضفة الفرات التي علمت البلاد معنى الكرم والصبر والنخوة، وأهلها يشبهون النهر؛ قد يغضبون سريعاً، لكن قلوبهم تعود صافية كالماء حين تُحفظ الكرامة، ولذلك لم يكن عبثاً أن تنتشر العبارة الشعبية: “الدية عند الديرية الاعتذار”، فالمجتمعات الأصيلة لا تبحث عن الانتقام بقدر ما تبحث عن الاحترام.
ولعل الأهم في المشهد كله أن الاعتذار جاء مترافقاً مع حديث واضح عن خطط تنمية حقيقية للمحافظة، وعن مشاريع وإمكانات مرصودة لإعادة دير الزور إلى مكانتها، حتى العبارة الشعبية التي قالها الرئيس “ازرعوها بدقني” حملت شيئاً من روح الناس البسطاء، لغةً قريبة من الشارع، بعيدة عن خشب السياسة البارد.
سوريا الجديدة لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل باللغة أيضاً؛ باللغة التي تحترم الناس، ولا تستفزهم، ولا تنظر إليهم بفوقية، فالدولة التي تعرف كيف تقول “آسف” تعرف أيضاً كيف تسمع وكيف تُنصت، وكيف تمنع الشرخ قبل أن يتحول إلى جدار.
وربما لهذا السبب شعر كثير من السوريين أن الاعتذار هذه المرة لم يكن مجرد كلمة، بل كان أشبه بإعلان ولادة لثقافة سياسية جديدة، ثقافة تقول إن هيبة الدولة لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على احتواء الناس، وكما يقول المثل العربي: “الكلمة الطيبة تطفئ ناراً لا يطفئها الماء”.







