أما وقد أفسد النظام البائد حياة السوريين، سياسة واقتصاداً ومجتمعاً، فإن إعادة النظر بواقع الإعلام وتحدياته مهمة ليست سهلة، بقدر ما ستنعكس تجلياتها على ترسيخ بنى لحياة جديدة.
أن تُخرج الناس من قاعدة “الحيطان لها آذان”، ومن الكبت النفسي والقهري الذي بنى شبكته حولهم، وأن تحرص على شراكة جديدة تتلهف لكل خبر وتقرير وتحليل، وتريد قطيعة ووداعاً لعهد الخوف والصمت، فهذا يستوجب صحافة جديدة تتفهم الدوافع، ولا تتركها طويلاً بحالة تلاطم، بل تسارع لوضع منهجيات لتنميتها، وبالمهمة عينها تراقب سوريا الجديدة وما يعتريها من تحديات محيطة.
يمكن ملاحظة ذلك بسهولة ويسر كل صباح، وقد يتكرر عشية كل مساء.

أي قضية تثار شمالاً أو جنوباً، شرقاً أم غرباً، قضية عامة أم شخصية، تصبح “ترند” يقتضي التوضيح والتفنيد الحكومي لإغلاق باب التأويلات والتصيد، اللصيق بالحالة السورية والاستقطاب الذي تعيشه محلياً وإقليمياً ودولياً. فذلك سيضعف تركيز صانع القرار ويشتت اهتمامه، وبدل التخطيط الاستراتيجي سيغرق بتفاصيل الآني وملاحقته.
هل ثمة ما يمكن دون ذلك؟
الأمر ليس سهلاً، لكن يمكن التخفيف منه عبر حلقات متسلسلة تبرد الأجواء السورية، فإسراع وزارة الإعلام بتمكين المطبوعات والمنصات الإلكترونية والإذاعات المحلية في المحافظات وتفعيلها، لتكون المحطة الأولى للفلترة واستقبال شكاوى الناس وأوجاعهم وصوتهم، ونقلها إلى الجهات المحلية، وإبراز الحلول كوسيط بين الشارع والسلطة التنفيذية.
وعلى الوزارة ذاتها الإسراع بتشكيل اللجان المهنية المنبثقة من مدونة السلوك الإعلامي وميثاق الشرف الذي أنجزته، حتى لا يبقى “حبراً على ورق”، فتريح وتستريح، ويحتكم أبناء المهنة إلى لجانهم بعيداً عن مركزية الوزارة، ويعاد تعريف المسؤولية بمن يتحمل خطاب الكراهية على الشاشات، ضيفاً كان أم مؤسسة إعلامية.
وتساعد الجمهور في معرفة حدود دوره وأهميته ورغباته في المشاركة، من دون الإضرار بالآخرين، سواء مواطنيه أم المسؤول.
فكل خطاب يتضمن وسماً أو تنميطاً أو شتماً أو اتهاماً من دون دليل، تحاسب عليه المدونة ثم القانون.
بعض “الترندات” ذات المصدر الخارجي، لم يعد وسمها بـ”لعبة مخابرات” أو “ذباب إلكتروني” مقنعاً، ولا يغير من وقائعها شيئاً، بل يفترض مواجهتها بـ”عقر دارها”، عبر الخروج من “جلباب أبي”، والاتجاه بخطوات جدية لإقرار لجان أو فروع أو وحدات للصحفيين السوريين في المهاجر عربياً ودولياً، “فأهل مكة أدرى بشعابها”، و”إن لم يحن القطاف”، فللفروع فوائد أخرى.
الحكومة مطالبة اليوم، بدل إطفاء الحرائق اللحظية، بإعداد خطط منهجية طويلة الأمد تتمثل بوجوب الاستثمار بالإعلام سياسة وعلاقات عامة. إعلام “المعثرين والفقراء” فشلت مفاعيله، ويصعب أن ينتج حضوراً مؤثراً أو خطاباً قادراً على المنافسة.
أخجل القول: “افردوا أيديكم شوي” لتتحمل كل وزارة جزءاً من اعتماداتها لتفعيل الجانب الإعلامي.
قناة “فرانس 24” الفرنسية والموجهة إلى الشارع العربي تنفق عليها وزارة الخارجية الفرنسية، وبعض الصحف تمولها الحكومات بطريقة غير مباشرة.
الحكومة البريطانية تدعم قنوات BBC World عبر وزارة الخارجية، لأنه يُنظر إليها كأداة حضور للدولة.
كما أن قناة “الميادين” توصف بأنها ممولة إيرانياً.
الدولة لا تنفق على مؤسساتها الوطنية فقط، فهذا تحصيل حاصل.
الدول تغازل صحفاً ومواقع وصحفيين.
فهل عسرت الحكومة السورية عن مؤتمر، ورشة، يوم، أسبوع للصحافة السورية، تدعو له كبريات الصحف ووكالات الأنباء، والتلفزة، والسوريين العاملين بها ليكون عنوانها سوريا بعد الخوف.
لا تنجح الدولة إعلامياً وهي مترددة وخجلة، بل عليها التصرف حسب الوقائع، فإذا خمدت “كفى الله المؤمنين شر القتال”.
معظم الدول المؤثرة لا تترك صورتها الخارجية للسوق وحده، بل تعتبر الإعلام جزءاً من الأمن القومي والدبلوماسية والقوة الناعمة.
وحتى لا يقول البعض “زادنا محدود”، يمكن للحكومة الطلب من المؤسسات الدولية الداعمة للإعلام توجيه دعمها بما يخدم خطها وخطتها الوطنية في المواجهة، وتختبر مدى جدية “الصديق من العدو”.
تصاعد القلق من دور الإعلام العابر للحدود ليس خاصية سورية. فالولايات المتحدة، بإرثها ومؤسساتها، عانت وتعاني منه خلال الحملات الانتخابية. أما المنصات الرقمية وشبكات التأثير المعلوماتي، فتشير تقارير في دول بحجم فرنسا وألمانيا إلى ارتفاع دورها في زعزعة الاستقرار والمجتمعات، ليس عبر “الدعاية التقليدية” فقط، بل من خلال “الحرب الهجينة” واستهداف الأمن القومي والاستقرار المجتمعي.
المعركة الإعلامية في سوريا الجديدة لم تعد بين صحيفة وأخرى، ولا بين موالاة ومعارضة كما في السابق، بل بين دولة قادرة على إنتاج روايتها وإقناع الناس بها، وبين فراغ تملؤه الشائعات والاستقطابات والمنصات العابرة للحدود. وفي عصر التدفق المفتوح للمعلومات، لا يكفي أن تمتلك السلطة قرارها السياسي، إن لم تمتلك أيضاً قدرتها على الشرح والإقناع والحضور إعلامياً.







