مصرف سوريا المركزي يعلن تمديد مهلة استبدال العملة القديمة لمدة 30 يوماً إضافية

ترمب: المبعوث توم براك سيكون مبعوثا رئاسيا خاصا إلى سوريا وإلى العراق أيضا

مديرية إعلام القنيطرة:إصابة شاب برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة وادي الرقاد بريف درعا الغربي

وزير التعليم العالي والبحث العلمي:تأجيل الامتحانات والجلسات العملية في جامعة الفرات إلى موعد يُحدّد لاحقا وفق المستجدات حرصا على سلامة الطلبة والكوادر التعليمية

وزير التعليم العالي والبحث العلمي: معالجة مطالب الفئات غير المشمولة بالزيادات النوعية بشكل دقيق وشامل، وسيتم توضيح آلية التنفيذ لضمان حقوقها بشكل عادل.

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الفرات… حين يفيض الأمل

‫شارك على:‬
20

الفرات على مر العصور ليس مجرد نهرٍ يعبر الأرض، بل هو ذاكرة أمة، وشريان حياةٍ حمل الخير إلى ضفتيه منذ آلاف السنين. وعلى مياهه قامت حضارات، ونمت مدن، وتشكلت حكايات الناس وأحلامهم، حتى أصبح اسمه جزءاً من هوية المكان والإنسان.

وقديماً قيل: «إذا ذُكر الفرات ذُكر الخير»، إذ لم يكن مجرد مجرى للماء، بل كان مصدر رزقٍ وزراعة واستقرار، ورفيقاً دائماً لأهل المنطقة في أفراحهم وأتراحهم. فكم من أرض أحياها، وكم من بيتٍ ارتبطت معيشته بمائه، وكم من أجيالٍ كبرت وهي تنظر إليه بوصفه نعمةً من نعم الله التي تستحق الشكر والرعاية.

لكن الفرات، كغيره من معالم الوطن، مرّ بسنواتٍ عجافٍ من الإهمال والتراجع، إذ تراجعت معه مشاريع التنمية والخدمات، حتى أصبحت بعض المناطق التي كان يفترض أن تكون من أكثر المناطق ازدهاراً تعاني تحديات متراكمة في البنية التحتية وفرص التنمية.

ومع ذلك بقي الفرات وفياً لأهله، يجري بصبره المعهود، وكأنه يذكّر الجميع بأن الحياة لا تتوقف، وأن الخير قد يتأخر لكنه لا يغيب.

وخلال الأيام الماضية، أعادت الفيضانات الأخيرة اسم الفرات إلى واجهة المشهد من جديد. صحيح أن المياه حملت معها شيئاً من القلق والمعاناة لبعض الأهالي، نسأل الله لهم العوض الجميل، لكنها في الوقت ذاته لفتت الأنظار إلى احتياجات المنطقة ومتطلباتها، ودفعت بقيادة البلاد وعلى رأسها الرئيس أحمد الشرع والعديد من الوزراء والمسؤولين إلى الحضور الميداني المباشر ومتابعة الأوضاع عن قرب، حيث شهد الناس زيارات لمسؤولين ووزراء في عدة مناطق من المحافظة، استمعوا فيه إلى الواقع عن كثب، في مشهد أعاد شيئاً من التواصل الحكومي الإنساني الذي فقدوه سنوات طويلة.

إن أبناء الفرات لا يبحثون عن المستحيل، ولا ينتظرون المعجزات، بل يطمحون إلى ما هو حق طبيعي لكل مواطن: طرقٌ أفضل، وخدماتٌ أكثر كفاءة، ومشاريع تنموية تفتح أبواب العمل، واستثمار حقيقي للموارد التي أنعم الله بها على هذه الأرض المباركة.

ومع المشاعر الصادقة التي أبداها كثير من أبناء المحافظات السورية الأخرى تجاه أهل دير الزور، وما حملته من روح الأخوة والتكافل الوطني، وهي مواقف تُشكر وتُحفظ لأصحابها، فإن الحقيقة التي يرددها أبناء دير الزور بثقة أنهم لا يبحثون عن مساعدات مؤقتة بقدر ما يتطلعون إلى تنمية مستدامة تعيد للمحافظة مكانتها التي تستحقها، من خلال مشاريع حقيقية في البنية التحتية والزراعة والصناعة والخدمات وفرص العمل.

ومع الإيمان بأن الإمكانات المتاحة اليوم قد لا تكفي وحدها لإنجاز كل المشاريع التنموية الكبرى التي يتطلع إليها أبناء المنطقة، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون سبباً للتأجيل أو التراخي. فالبداية ولو كانت بسيطة تبقى أفضل من الركود وانتظار الظروف المثالية، وكما قيل: الحركة بركة، وبداية الألف ميل خطوة. إن إطلاق مسار عملي تدريجي، حتى ولو كان محدوداً في بدايته، كفيل بأن يفتح الباب أمام تطور أكبر، ويمنح الناس شعوراً حقيقياً بأن هناك إرادة تتجه نحو البناء والتحسين، لا مجرد انتظار للظروف المثالية.

ولعل أجمل ما في الأزمات أنها تكشف مكامن الخلل، وتفتح أيضاً أبواب الإصلاح. فكم من حدثٍ ظنه الناس شراً، فكان سبباً في خيرٍ واسع،

قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

إن ما جرى اليوم يذكرنا بأن الفرات لم يكن يوماً مجرد نهرٍ للماء، بل نهرٌ للأمل أيضاً. فكما حمل الخير لأجدادنا عبر القرون، فإننا نرجو أن يكون ما نشهده اليوم بداية خيرٍ جديد لأبنائنا وأحفادنا، وأن تتحول الوعود إلى إنجازات، والخطط إلى مشاريع، والتطلعات إلى واقعٍ يلمسه الناس في حياتهم اليومية.

سيبقى الفرات يجري، وستبقى معه أحلام أهله تجري كذلك، مؤمنةً بأن المستقبل لا يُصنع بالأمنيات وحدها، بل بالإرادة والعمل والمتابعة الصادقة.

وحين يفيض الفرات، قد تفيض معه المياه أحياناً، لكنه يفيض دائماً بمعنى أعمق… يفيض بالأمل.