مصرف سوريا المركزي يعلن تمديد مهلة استبدال العملة القديمة لمدة 30 يوماً إضافية

ترمب: المبعوث توم براك سيكون مبعوثا رئاسيا خاصا إلى سوريا وإلى العراق أيضا

مديرية إعلام القنيطرة:إصابة شاب برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة وادي الرقاد بريف درعا الغربي

وزير التعليم العالي والبحث العلمي:تأجيل الامتحانات والجلسات العملية في جامعة الفرات إلى موعد يُحدّد لاحقا وفق المستجدات حرصا على سلامة الطلبة والكوادر التعليمية

وزير التعليم العالي والبحث العلمي: معالجة مطالب الفئات غير المشمولة بالزيادات النوعية بشكل دقيق وشامل، وسيتم توضيح آلية التنفيذ لضمان حقوقها بشكل عادل.

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

المركزي يحظر “الفئات القديمة”.. فما سر تقبيض الرواتب بالعملة القديمة؟

‫شارك على:‬
20

بينما يشدد حاكم مصرف سورية المركزي، صفوت رسلان، على حظر طرح الفئات القديمة وإلزامية تسليم الليرة الجديدة حصراً، يتصاعد تساؤل حاد في الشارع: لماذا أصرت بعض شركات الحوالات والصرافة على تقبيض المواطنين بالعملة القديمة خلال الفترة الماضية؟ هل هو نقص سيولة لوجستي.. أم واجهة لعمليات تحايل مالي وغسل أموال؟

الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماه يرى ان هذه الظاهرة تستدعي تحليلاً اقتصادياً متعمقاً، في معرض الإجابة عن السؤال الجوهري: هل يعود سبب هذه الممارسات إلى نقص حقيقي في السيولة الجديدة، أم أنها تمثل عملية تحايل مالي تهدف إلى التهرب من ضوابط مكافحة غسل الأموال والاستفادة من تخزين الكتلة النقدية القديمة؟

محمد أوضح في حديثه لـ”الوطن” أنه لا يمكن إنكار أن عملية استبدال عملة بهذا الحجم تواجه تحديات لوجستية هائلة، وتشير التقديرات إلى أن الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي السوري قبل الإصدار الجديد كانت تبلغ نحو 40 تريليون ليرة سورية، واستبدال هذا الكم الهائل من الأوراق النقدية خلال 90 يوماً فقط يُشكل ضغطاً هائلاً على البنية التحتية للصرافة والمصارف.

ولفت إلى أن المصرف المركزي رغم تأكيده أن العملية ستكون مرنة ومتاحة للجميع، لم يوضح بالتفصيل كيفية توزيع الكميات الكافية من العملة الجديدة على جميع المنافذ بشكل متزامن، ولواقع العملي يشير إلى أن الطلب على السيولة الجديدة قد يفوق القدرة التوزيعية، وخاصة في المناطق النائية أو خلال فترات ذروة الدفع (مثل أوائل الشهر)، معتبراً أن هذا العجز المؤقت قد يدفع شركات الصرافة التي تجد نفسها عاجزة عن توفير الكميات المطلوبة من العملة الجديدة، إلى تسليم مستحقات العملاء بالعملة القديمة، مبررة ذلك بأنها لا تزال عملة قانونية خلال فترة المهلة المحددة.

لكن برأي أستاذ التمويل فإن هذا التفسير يظل محدوداً؛ فالمصرف المركزي أعلن صراحة أن فترة التعايش بين العملتين تسمح بقبول القديمة كوسيلة دفع، وبالتالي، دفع الرواتب بالعملة القديمة ليس مخالفاً للحرفية القانونية، لكنه يثير التساؤل حول سبب عدم قيام هذه الشركات بسحب العملة القديمة من السوق واستبدالها بالجديدة قبل إعادة توزيعها على العملاء!

التحايل المالي وغسل الأموال كتفسير أعمق

الخبير الاقتصادي يميل إلى أن هذه الممارسات تحمل في طياتها أبعاداً أكثر خطورة من مجرد نقص مؤقت في السيولة، وتتلخص في النقاط كتهريب الكتلة النقدية القديمة (الاستبدال غير المشروع)، إذ إن ضوابط مكافحة غسل الأموال عادةً ما تضع سقفاً للمبالغ التي يمكن استبدالها نقداً دون الحاجة إلى إفادة المصدر أو تقديم مستندات تثبت المصدر المشروع للثروة، والهدف من إصدار عملة جديدة هو “إجبار” حاملي الثروات النقدية الكبيرة (التي قد تكون ناتجة عن فساد أو تهريب أو تمويل غير مشروع) على كشف أنفسهم، وعندما تقوم شركة صرافة بدفع الرواتب (وهي مبالغ قد تكون كبيرة ومتكررة) بالعملة القديمة، فإنها في الواقع تقوم بتصريف كميات كبيرة من تلك العملة القديمة لديها دون الحاجة إلى المرور عبر “نافذة الاستبدال الرقابية” للمصرف المركزي.

ويرى محمد أن السيناريو المحتمل يفترض أن جهة ما لديها مخزون ضخم من العملة القديمة (بلايين الليرات) حصلت عليه بطرق غير موثقة، هذه الجهة تتفق مع شركة صرافة متواطئة، والشركة تستلم الرواتب أو الحوالات المطلوب دفعها نقداً (وهي التزامات يجب تسويتها بالعملة “الجديدة” حسب التعليمات)، لكنها تدفعها من هذا المخزون القديم، وبذلك، تكون الشركة قد “غسلت” الكتلة القديمة لصالح تلك الجهة، بينما تحتفظ الجهة الأخرى بالعملة الجديدة النظيفة أو التحويلات البنكية، محصنة بذلك من أي تدقيق.

ومن النقاط التي يطرحها الخبير الاقتصادي التلاعب بسعر الصرف والفارق السعري فرغم جهود المصرف المركزي لتوحيد سعر الصرف واعتماد نظام التعويم المُدار، إلا أن هناك فجوة مستمرة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي (السوداء)، والعملة الجديدة، بخصائصها الأمنية المتطورة و”نظافتها”، قد تحظى بقبول أكبر في السوق الموازي أو تكون أكثر ملاءمة للتخزين والتهريب، وإن الاحتفاظ بالعملة الجديدة وإغراق السوق بالقديمة يسمح لشركات الصرافة بالمراجحة على حساب العملاء وجهات الدفع.

كما يرى أستاذ المصارف أن التهرب من رسوم وضرائب الاستبدال أحد هذه النقاط فعملية الاستبدال، رغم أنها أعلنت “مجانية” ظاهرياً، إلا أن كلفة نقل الأموال القديمة إلى المصرف المركزي وفرزها وإتلافها قد تكون محملة على شركات الصرافة أو تترجم إلى عمولات غير معلنة. بتقبيض الرواتب بالقديمة، تقوم الشركة بتوفير هذه التكاليف اللوجستية على نفسها، بينما تتحمل الجهات الأخرى (كالبنوك أو الخزينة) العبء لاحقاً.

ما هو السبب الحقيقي إذاً؟

يرى أستاذ التمويل أن السبب الجوهري هو مزيج من القصور التنفيذي (نقص التوزيع الكافي للعملة الجديدة في اللحظة المناسبة) والفرصة المتاحة للتحايل المالي، ونقص السيولة هو “الذرائع” التي تخفي تحتها العملية “الأساسية” وهي محاولة تجاوز ضوابط غسيل الأموال والاستفادة من تخزين الكتلة القديمة.

وكرأي أكاديمي اقتصادي يرى محمد أن ظاهرة تقبيض الرواتب بالعملة القديمة في سوريا ليست مجرد عَرَض من أعراض سوء التخطيط اللوجستي، بل هي مؤشر خطر إلى وجود ثغرات في حوكمة عملية الاستبدال النقدي، وأن غياب آلية واضحة وإلزامية لاستلام العملة الجديدة وتسليم “القديمة” بالكامل عبر النظام المصرفي الرسمي، إلى جانب ضعف الرقابة على شركات الصرافة في لحظة التحول، يوفر بيئة خصبة للتحايل المالي والتهرب من ضوابط مكافحة غسيل الأموال.

وأكد أن السماح لهذه الممارسات بالاستمرار يعني أن الهدف الأساسي من الاستبدال النقدي – وهو سحب الكتلة النقدية الضخمة غير الخاضعة للرقابة والتي تقدر بـ40 تريليون ليرة – قد يفشل جزئياً، فالجهات التي تمتلك ثروات نقدية قديمة ستصبح قادرة، عبر شركات الصرافة المتواطئة، على إعادة ضخ تلك الأموال إلى التداول من دون تدقيق، محولةً إياها تدريجياً إلى الودائع أو الأصول الجديدة، ومحافظةً على قوة اقتصادية موازية للدولة.

وينصح محمد المصرف المركزي باتخاذ إجراءات بشكل عاجل، كتشديد الرقابة الميدانية عبر فرض غرامات فورية وإيقاع عقوبات بإغلاق أي شركة صرافة يثبت تورطها في توزيع العملة القديمة لأغراض تتجاوز الحاجة التشغيلية المحدودة، واعتماد مبدأ المساءلة وإلزام كل الجهات الدافعة للجمهور (شركات، وتحويلات، ورواتب) بأن تكون أغلبية التسويات (80 بالمئة مثلاً) من فئة العملة الجديدة، مع سقف زمني قصير لإنهاء قبول القديمة تماماً قبل الموعد الرسمي، مع ضرورة تعزيز الشفافية والإعلان بشكل أسبوعي عن كميات العملة القديمة المستبدلة فعلياً والموزعة من العملة الجديدة على مستوى المحافظات، لفضح أي محاولات احتكار للسيولة الجديدة.

وختم محمد بالقول: من دون هذه الإجراءات، سيبقى الاقتصاد السوري عرضة لعمليات غسيل الأموال النقدي عبر الاستبدال، وستفقد عملية إعادة هيكلة العملة مصداقيتها كأداة لاستعادة الثقة وتعزيز الحوكمة المالية، وفي ضوء أن سعر الصرف في السوق الموازي قد شهد فجوات تجاوزت 35 بالمئة عن السعر الرسمي في فترات سابقة، فإن حجم الأرباح المتوقعة من الاحتفاظ بالعملة الجديدة مقابل التخلص من القديمة عبر الرواتب قد يشكل حافزاً قوياً لشركات الصرافة، ما قد يفسر استمرار هذه الممارسات رغم وضوح أضرارها الاقتصادية الكلية.