في كل مرحلة انتقال اقتصادي تمر بها الدول الخارجة من الحروب يبرز سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة.
هل ينبغي توجيه الموارد المحدودة نحو المشاريع الصغيرة والمتوسطة القادرة على خلق فرص العمل بسرعة أم نحو الاستثمارات الكبرى التي تعيد بناء القاعدة الإنتاجية وتؤسس لنمو طويل الأجل.
في الحالة السورية لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين خيار جيد وآخر سيئ بل بتحديد أيهما يجب أن يأتي أولاً فالاقتصاد السوري اليوم يواجه تحديات استثنائية تتمثل في تراجع مستويات الدخل وضعف القدرة التمويلية وارتفاع معدلات البطالة وتضرر أجزاء واسعة من البنية التحتية إضافة إلى محدودية الموارد المتاحة لدى الدولة والقطاع الخاص على حد سواء.
ضمن هذه المعطيات تبدو المشاريع الصغيرة والمتوسطة الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الأولى من التعافي الاقتصادي فهي تحتاج إلى رؤوس أموال أقل ويمكن إطلاقها خلال فترات زمنية قصيرة كما أنها قادرة على الانتشار في مختلف المحافظات واستيعاب أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل وتحريك الأسواق المحلية ورفع مستويات الطلب والاستهلاك وتكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية لأنها تستند إلى مورد لا يزال متوافراً في سوريا رغم سنوات الحرب وهو الخبرات المهنية والحرفية المتراكمة لدى شريحة واسعة من السوريين القادرين على تحويل مهاراتهم إلى نشاط اقتصادي منتج إذا توافرت البيئة المناسبة والدعم الكافي لكن التجارب الاقتصادية تؤكد أيضاً أن الاقتصادات لا تنتقل إلى مراحل النمو المرتفع اعتماداً على المشاريع الصغيرة وحدها فقدرتها على إدخال التكنولوجيا المتقدمة تبقى محدودة كما تواجه صعوبات أكبر في التصدير والوصول إلى الأسواق الخارجية ورفع الإنتاجية على نطاق واسع.
هنا تبرز أهمية الاستثمارات الكبرى باعتبارها الأداة القادرة على بناء محطات الطاقة وتطوير شبكات النقل والموانئ والمدن الصناعية وإطلاق المشاريع الاستراتيجية التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد حديث غير أن هذه الاستثمارات تحتاج بدورها إلى شروط قد لا تكون متاحة بالكامل في المراحل الأولى من التعافي مثل الاستقرار الاقتصادي والتمويل الضخم والمؤسسات القوية والبيئة التنظيمية الواضحة.
ومن هنا فإن جوهر النقاش يجب ألا يكون حول أي الخيارين أفضل بل حول كيفية بناء تسلسل اقتصادي منطقي بينهما التجارب الدولية الناجحة تقدم درساً واضحاً في هذا المجال ففيتنام لم تبدأ نهضتها الاقتصادية بالمشاريع العملاقة وحدها بل اعتمدت على توسيع قاعدة المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالتوازي مع جذب الاستثمارات الكبرى في الصناعة والتصدير ورواندا ركزت في البداية على تنشيط النشاط الاقتصادي المحلي قبل الانتقال إلى مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية، كما أن المغرب نجح في الجمع بين دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة واستقطاب استثمارات ضخمة في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية.
بالنسبة لسوريا فإن الأولوية الاقتصادية الأكثر واقعية خلال السنوات الأولى تتمثل في إطلاق أكبر عدد ممكن من المشاريع الصغيرة والمتوسطة لأنها الأسرع في خلق الوظائف وتحريك عجلة الاقتصاد ورفع مستويات الدخل.
لكن النجاح الحقيقي لا يكتمل ما لم تتحول هذه المرحلة لاحقاً إلى منصة لانطلاق استثمارات كبرى قادرة على رفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية ودمج الاقتصاد السوري في الأسواق الإقليمية والدولية. لذلك فإن السؤال الصحيح ليس هل نريد المشاريع الصغيرة أم الاستثمارات الكبرى.
السؤال الحقيقي هو كيف نحول المشاريع الصغيرة إلى قاعدة اقتصادية واسعة تقود في النهاية إلى اقتصاد قادر على إنتاج المشاريع الكبرى؟
فالتنمية لا تبدأ من مصنع المليار دولار بل من آلاف الورش والمتاجر والمشاريع الصغيرة التي تخلق الحركة الاقتصادية وتعيد الثقة إلى السوق ثم تفتح الطريق أمام الاستثمارات الاستراتيجية الأكبر وهنا يكمن التحدي الحقيقي للاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة.
ليس اختيار أحد المسارين وإلغاء الآخر بل بناء جسر اقتصادي يصل بينهما ويجعل من المشروع الصغير نقطة الانطلاق ومن الاستثمار الكبير محطة الوصول.




