ثمة أماكن لا تقاس بجدرانها ولا بمقاعدها ولا بمساحتها، بل بما تختزنه من ذاكرة وأحلام وانتصارات. وصالة غزوان أبو زيد في حمص واحدة من تلك الأماكن التي كتبت فصولاً مهمة في تاريخ الرياضة السورية، واحتضنت أجيالاً من اللاعبين الذين صنعوا المجد فوق أرضها، لكن المؤلم أن هذا الصرح الذي كان يوماً عنواناً للحيوية والتنافس، بات اليوم يرزح تحت ثقل الإهمال، وكأن الزمن قرر أن يمر من حوله من دون أن يطرق أبوابه.
في السنوات الأخيرة شهدت المنشآت الرياضية في مختلف المحافظات عمليات تطوير وتأهيل شملت البنية التحتية والتجهيزات الفنية واللوجستية، في محاولة لمواكبة التحوّلات المتسارعة التي تشهدها الرياضة الحديثة. غير أن صالة غزوان أبو زيد بقيت خارج هذا المشهد إلى حد كبير، لتتحول إلى استثناء يثير التساؤلات أكثر مما يقدم الإجابات.
وفي مقدمة المشكلات التي لا تزال تؤرق العاملين والرياضيين والجماهير، تقف اللوحة الإلكترونية القديمة كعنوان صارخ للفجوة بين الواقع والطموح، فهذه اللوحة التي أنهكتها السنوات لم تعد مجرد جهاز لعرض النتائج والوقت، بل أصبحت رمزاً لحالة من الجمود المزمن التي تعيشها الصالة، فمن غير المنطقي أن تتطور اللعبة وتتغير قوانينها وأساليب إدارتها وتقنياتها، بينما تبقى أدواتها الأساسية أسيرة عقود مضت.

اللوحة الإلكترونية في أي منشأة رياضية حديثة ليست قطعة كمالية يمكن الاستغناء عنها، بل هي جزء من هوية المكان، ولغة بصرية تعكس مستوى التنظيم والاحترافية، وعندما تغيب هذه اللغة أو تصبح مشوّهة بفعل التقادم، فإن الرسالة التي تصل إلى اللاعبين والجماهير هي أن التطوير لا يزال ناقصاً، وأن هناك حلقة مفقودة في مشروع النهوض الرياضي.
المفارقة أن الحديث عن هذه المشكلة لم يعد جديداً، فقد تكرر على مدى سنوات طويلة من دون أن يجد طريقه إلى التنفيذ، وبين مطالبات الرياضيين ووعود المعنيين، بقيت اللوحة على حالها، وكأنها شاهد صامت على تراكم التأجيلات، فيما تتزايد الحاجة يوماً بعد يوم إلى استبدالها بمنظومة حديثة تليق باسم الصالة ومكانتها.
إن قضية صالة غزوان أبو زيد تتجاوز حدود لوحة إلكترونية أو تجهيز فني هنا وهناك؛ إنها قضية رؤية كاملة لكيفية التعامل مع المنشآت الرياضية بوصفها استثماراً في الإنسان قبل الحجر. فالرياضة التي تسعى إلى صناعة الأبطال لا يمكن أن تكتفي بنصف تطوير، ولا يمكن أن تطلب من لاعبيها التحليق عالياً فيما أجنحة منشآتها لا تزال مثقلة بأعباء الماضي.
وإذا كانت الصالة قد نجحت عبر تاريخها في احتضان آلاف الأحلام الرياضية، فإن أقل ما تستحقه اليوم هو أن تستعيد حقها الطبيعي في التطوير والتحديث، لأن المنشآت الرياضية، تماماً كالكائنات الحية، لا تموت دفعة واحدة، بل تذبل حين يغيب عنها الاهتمام، وتستعيد شبابها حين تجد من يؤمن بأن المستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بالقرارات.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى ستبقى صالة غزوان أبو زيد تنتظر موعدها مع التحديث؟ وإلى متى سيظل أحد أهم الصروح الرياضية في حمص يقف على هامش التطوير، بينما تستمر عقارب الرياضة الحديثة بالدوران من حوله؟!








