يواجه المشهد الاقتصادي اليوم معضلة بنيوية تتجاوز تفاصيل الأزمات المعيشية اليومية، وتتمثل في اتساع الفجوة بين الطروحات الاقتصادية الجادة والسياسات التنفيذية على الأرض.
ففي الوقت الذي تبذل فيه الصحافة الاقتصادية جهوداً حثيثة لتشخيص المشكلات واقتراح حلول عملية، بدءاً من ضرورة كبح فوضى الأسعار وتحديداً بعد القفزات الكبيرة في تعرفة الكهرباء وما تركته من ضغوط إضافية على تكاليف الإنتاج والقدرة الشرائية، مروراً بملف احتباس السيولة المصرفية وما يرافقه من تراجع في القدرة على السحب والتداول النقدي وانعكاساته على حركة الأسواق والاستثمار والتمويل، وصولاً إلى دعم الإنتاج المحلي وتعزيز استقرار سعر الصرف، لا تزال انعكاسات هذه الطروحات على السياسات التنفيذية محدودة، ليبقى العديد من القرارات أسير مقاربات تقليدية لا تواكب خصوصية تعقيدات الواقع الاقتصادي السوري الذي فرضته سنوات طويلة من التحولات والأزمات المتراكمة.
وتتعمق هذه الفجوة مع استمرار ما يمكن وصفه بالعتمة الإحصائية، نتيجة محدودية البيانات الدورية المنشورة من الجهات المعنية، سواء فيما يتعلق بمعدلات التضخم أم الحسابات القومية أو مؤشرات النمو والإنتاج والاستثمار. ولا يقتصر أثر هذا النقص على الباحثين والخبراء فحسب، بل يمتد مباشرة إلى بيئة الأعمال والاستثمار، إذ يصعب على أي مستثمر بناء دراسة جدوى دقيقة أو اتخاذ قرار طويل الأجل في سوق تفتقر إلى المؤشرات الاقتصادية المحدثة والموثوقة.

إن إدارة الاقتصاد في غياب البيانات تشبه إلى حد بعيد قيادة سفينة في بحر متقلّب من دون أدوات ملاحة كافية، فصانع القرار نفسه يحتاج إلى مؤشرات دقيقة لقياس نتائج السياسات وتصويبها، كما يحتاج المستثمر المحلي والمغترب إلى درجة معقولة من الشفافية تمكّنه من تقييم المخاطر والفرص بصورة واقعية.
وللخروج من هذه الحلقة، لا بد من تبنّي نهج أكثر انفتاحاً يربط بين غرف التخطيط والجهات البحثية والإعلام الاقتصادي والقطاع الخاص، حيث تتحول الملاحظات والدراسات والتوصيات إلى مدخلات فعلية في عملية صنع القرار.
كما تبرز الحاجة الملحة إلى إطلاق مشروع وطني لتحديث المنظومة الإحصائية والرقمية، يضمن نشر المؤشرات الاقتصادية والمالية بصورة دورية ومنتظمة، ويعزز مستوى الشفافية والمساءلة.
المكاشفة بالأرقام ليست ترفاً إدارياً، بل شرط أساسي لبناء الثقة وتحفيز الاستثمار وتحسين كفاءة السياسات العامة، فالبيانات الدقيقة تشكل الركيزة الأولى والأساسية لأي محاولة جادة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، وتحفيز الإنتاج الوطني، وكسر حلقة الركود والتضخم التي تثقل كاهل الاقتصاد والمجتمع معاً.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن لأي اقتصاد أن يحقق تعافياً مستداماً من دون شراكة حقيقية بين المعرفة والقرار، ولا يمكن لأي سياسة أن تنجح في بيئة يغيب عنها القياس والتقييم والشفافية، فالأرقام ليست مجرد جداول وإحصاءات، بل هي اللغة التي يفهمها المستثمر، والأداة التي يحتاجها صانع القرار، والبوصلة التي ترشد الاقتصاد نحو مسار أكثر استقراراً وكفاءة.







